سبعون سنة من مجلة الأحوال الشخصية وانعكاسات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على المرأة داخل الأسرة
مداخلة لانصاف البرهومي
مقدمة
يمثل مرور سبعين سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية مناسبة علمية لإعادة تقييم مسار الحماية القانونية التي أرسى المشرع التونسي قواعدها لفائدة المرأة داخل الأسرة، واستجلاء مدى قدرة هذه الحماية على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المجتمع التونسي منذ صدور المجلة في 13 أوت 1956.
فقد شكلت مجلة الأحوال الشخصية، منذ نشأتها، أحد أبرز مكونات السياسة التشريعية التونسية في مجال الأسرة، وأحدثت تحولًا عميقًا في تنظيم العلاقات الأسرية وفي تحديد المراكز القانونية لأفرادها، وأسهمت بصورة خاصة في إعادة بناء المركز القانوني للمرأة على أساس من الاعتراف بمجموعة من الحقوق والضمانات التي لم تكن معروفة بالصيغة ذاتها قبل صدورها.
غير أن تقييم هذا المسار التشريعي بعد سبعة عقود لا يمكن أن يقتصر على جرد الحقوق التي أقرها النص، وإنما يقتضي الانتقال من الحماية القانونية المقررة إلى الحماية القانونية الفعلية؛ أي من السؤال المتعلق بما إذا كان القانون قد اعترف للمرأة بحق معين، إلى السؤال المتعلق بمدى قدرتها الواقعية على ممارسة ذلك الحق والانتفاع به.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها الأسرة التونسية، والتي لم تقتصر آثارها على تغيير أنماط العيش والعلاقات الأسرية، بل أفرزت كذلك أشكالًا جديدة من الهشاشة، وأعادت توزيع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية داخل الأسرة، بما جعل المرأة في بعض الحالات أكثر تعرضًا للتبعية الاقتصادية والعنف وصعوبات النفاذ إلى الحقوق.
ونقصد بالأزمة، في نطاق هذه المداخلة، حالة من الاختلال أو الضغط الاقتصادي أو الاجتماعي تتجاوز الصعوبة العابرة، وتمس قدرة الأسرة على أداء وظائفها الأساسية وعلى ضمان التوازن بين أفرادها، بما قد يؤثر في ممارسة الحقوق وفي المركز الفعلي للمرأة داخل الأسرة.
وتندرج ضمن ذلك الأزمة الاقتصادية والمعيشية، بما تعنيه من تراجع القدرة على تلبية الحاجات الأساسية أو الوفاء بالالتزامات الأسرية، وما قد ينشأ عنها من ضعف في الاستقلال المالي وتزايد في التبعية الاقتصادية. أما الأزمة الاجتماعية، فنقصد بها مجموع التحولات والاختلالات التي تمس بنية الأسرة والعلاقات بين أفرادها وأدوارهم وأنماط التضامن داخلها، ومن أبرز مظاهرها العنف الأسري والطلاق وتغير توزيع الأعباء والمسؤوليات.
وتؤكد المعطيات الإحصائية أن هذه الأزمات ليست مجرد فرضية تحليلية.
فوفق مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء للثلاثي الأول من سنة 2026، بلغت نسبة البطالة 20.7% لدى النساء مقابل 12.3% لدى الرجال. وبلغت نسبة البطالة لدى النساء حاملات شهادات التعليم العالي 32% مقابل 14.2% لدى الرجال، في حين بلغت لدى الشابات من 15 إلى 24 سنة 34.1%. كما لا تمثل النساء سوى 32.3% من مجموع السكان النشيطين و30.2% من مجموع السكان المشتغلين.
ولا تكتسب هذه الأرقام أهميتها من بعدها الاقتصادي فحسب، وإنما من دلالتها بالنسبة إلى الحماية القانونية داخل الأسرة؛ ذلك أن ضعف الاستقلال الاقتصادي قد يؤثر في قدرة المرأة على مواجهة الانفصال، أو تنفيذ حقوقها المالية، أو مغادرة علاقة عنيفة، أو اللجوء إلى القضاء وآليات الحماية.
وعليه، فإن الإشكالية التي تطرحها هذه المداخلة تتمثل في التساؤل التالي:
إلى أي مدى استطاعت مجلة الأحوال الشخصية، خلال سبعين سنة من التطور التشريعي، أن توفر للمرأة حماية فعلية داخل الأسرة، في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتعاقبة التي أعادت تشكيل الأسرة وأنتجت أشكالًا جديدة من الهشاشة؟
للإجابة عن هذه الإشكالية، سنحاول الوقوف أولًا عند تطور الحماية القانونية في مواجهة الهشاشة الاقتصادية، من خلال آلية صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق، ثم ننتقل إلى الحماية من العنف ضد المرأة، ولا سيما العنف الاقتصادي، قبل أن نتوقف عند صورة أخرى من صور الهشاشة، هي الهشاشة الرمزية التي تكشفها بعض المفردات التي لا تزال مجلة الأحوال الشخصية تستعملها.
أولًا: من الحق المالي المقرر إلى الحق القابل للنفاذ: صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق
تكشف مسألة النفقة وجراية الطلاق بصورة واضحة عن الحدود التي يمكن أن تفصل بين وجود الحق في النص وفعالية هذا الحق في الواقع.
فالنفقة ليست مجرد التزام مالي ينشأ عن العلاقة الأسرية، وإنما تؤدي وظيفة اجتماعية وحمائية، ولا سيما بالنسبة إلى المرأة المطلقة والأطفال الذين قد يصبحون أكثر تعرضًا للهشاشة الاقتصادية بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
ومن هذا المنطلق، يمثل إحداث صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق بمقتضى القانون عدد 65 لسنة 1993 المؤرخ في 5 جويلية 1993 تحولًا مهمًا في فلسفة الحماية؛ إذ لم يكتف المشرع بإقرار الحق في النفقة وجراية الطلاق، بل تدخل لمعالجة حالة تعذر تنفيذ الحكم القضائي بسبب تلدّد المحكوم عليه.
وتكمن أهمية هذا التدخل في أن المشرع أدرك، بصورة مبكرة، أن الحكم القضائي لا يمثل بالضرورة نهاية الحماية، وإنما قد يكون بداية الحاجة إلى آلية تضمن فعالية الحق.
وقد ضبط الأمر عدد 1655 لسنة 1993 المؤرخ في 9 أوت 1993 إجراءات تدخل الصندوق، ثم وقع تنقيحه بالأمر عدد 671 لسنة 1998 المؤرخ في 16 مارس 1998 وبالأمر عدد 826 لسنة 2006 المؤرخ في 23 مارس 2006.
غير أن آلية الصندوق تثير، في سياق تقييم الحماية بعد سبعين سنة، سؤالًا يتعلق بمدى كفاية التدخل واستمراريته.
فالمعطيات الرسمية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تفيد بأن الصندوق يتدخل لصرف مبالغ النفقة وجراية الطلاق المستحقة بموجب حكم لفائدة المطلقات وأطفالهن، لمدة لا تتجاوز ثمانية أشهر خلال السنة المدنية الواحدة.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
فالاحتياج إلى النفقة لا يرتبط بالضرورة بمدة ثمانية أشهر، والهشاشة الاقتصادية التي قد تعقب الطلاق لا تنتهي بانتهاء مدة تدخل الصندوق.
ومن ثم، فإن الصندوق يمثل دون شك تطورًا نوعيًا في مفهوم الحماية، لأنه ينقل المرأة من مجرد الحصول على حكم إلى إمكانية الانتفاع بمورد مالي عند تعذر التنفيذ، ولكنه يكشف في الوقت نفسه أن فعالية الحق قد تظل محدودة بحدود الآلية التي وضعت لضمانه.
ومن هذه الزاوية، يمكن التمييز بين ثلاث مراحل متتابعة:
الحق المقرر قانونًا، والحق القابل للتنفيذ، والحق القابل للانتفاع الفعلي والمستمر.
وهذا التمييز هو الذي يسمح، في تقديرنا، بإعادة قراءة الحماية الأسرية في ضوء الأزمات الاقتصادية.
فإذا كان المشرع قد انتقل سنة 1993 من مجرد الاعتراف بالحق إلى إقرار آلية مؤسساتية لضمان تنفيذه، فإن تحدي المرحلة الراهنة يتمثل في التساؤل حول مدى قدرة هذه الآلية على مواكبة الأشكال الجديدة للهشاشة الاقتصادية التي أفرزتها التحولات الاجتماعية.
وتزداد أهمية ذلك عندما نضع هذه الآلية في سياق مؤشرات سوق الشغل.
ففي الوقت الذي تبلغ فيه البطالة النسائية 20.7% مقابل 12.3% لدى الرجال، وتصل إلى 32% لدى حاملات الشهادات العليا، تصبح القدرة على الاستقلال الاقتصادي بعد الطلاق أو في ظل النزاع الأسري مسألة تتجاوز بعدها الاجتماعي لتصبح عنصرًا من عناصر القدرة الفعلية على استعمال الحقوق القانونية.
ومن ثم، فإن السؤال لا يعود فقط: هل للمرأة حق في النفقة؟
وإنما يصبح: هل تملك المرأة الوسائل الاقتصادية والمؤسساتية التي تمكنها من الوصول إلى هذا الحق والانتفاع به في الوقت الذي تحتاج إليه؟
ثانيًا: من حماية المرأة داخل الأسرة إلى مواجهة العنف الاقتصادي
إذا كشف صندوق ضمان النفقة عن العلاقة بين الحق المالي والحماية الفعلية، فإن العنف ضد المرأة يكشف بصورة أوضح عن حدود الحماية القانونية عندما تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية مع علاقة القوة داخل الأسرة.
وقد شكل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة نقطة تحول مهمة في هذا المجال، إذ اعتمد المشرع مقاربة شاملة تقوم على الوقاية وتتبع مرتكبي العنف ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم.
والأهم أن المشرع لم يحصر العنف في الاعتداء المادي، بل عرف العنف ضد المرأة بأنه كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي قائم على التمييز بسبب الجنس، من شأنه أن يتسبب في إيذاء أو ألم أو ضرر، كما شمل التهديد والضغط والحرمان من الحقوق والحريات سواء في الحياة العامة أو الخاصة.
كما خص المشرع العنف الاقتصادي بتعريف صريح، فاعتبره كل فعل أو امتناع عن فعل من شأنه استغلال المرأة أو حرمانها من مواردها الاقتصادية، مهما كان مصدرها، بما في ذلك الأموال أو الأجر أو المداخيل، أو التحكم في الأجور والمداخيل، أو منع المرأة من العمل أو إجبارها عليه.
وتكتسب هذه الإضافة أهمية خاصة لأنها تسمح بالتمييز بين مفهومين متقاربين دون أن يكونا متطابقين: الهشاشة الاقتصادية والعنف الاقتصادي.
فالأزمة الاقتصادية قد تضع المرأة في حالة هشاشة بسبب البطالة أو ضعف الدخل أو التبعية المالية.
أما العنف الاقتصادي فيفترض وجود سلوك يستعمل الحرمان من الموارد أو التحكم فيها أو استغلالها كوسيلة للسيطرة والإخضاع.
وبالتالي، قد تتحول الهشاشة الاقتصادية الناتجة عن الظروف الاجتماعية إلى عامل يزيد قابلية المرأة للتعرض للعنف، وقد تجعل في الوقت نفسه مغادرة العلاقة العنيفة أو التبليغ عنها أكثر صعوبة.
وتبرز أهمية ذلك من خلال المعطيات الإحصائية.
فوفق نتائج المسح الوطني حول العنف ضد المرأة في تونس، تعرضت 57.3% من النساء إلى شكل من أشكال العنف خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للمسح، وتوزعت الأشكال المسجلة بين العنف النفسي واللفظي والجنسي والاقتصادي والجسدي والإلكتروني. ومن بين هذه الأشكال، سجل العنف النفسي 44.4%، واللفظي 26.7%، والجنسي 15.6%، والاقتصادي 11.4%، والجسدي 5.3%، والإلكتروني 14.4%. كما بلغت نسبة النساء المتزوجات أو المطلقات أو الأرامل اللاتي تعرضن إلى عنف من الزوج أو الزوج السابق 42.7%.
وتقتضي هذه الأرقام قراءة منهجية دقيقة؛ فهي لا تمثل مجموعًا حسابيًا واحدًا، لأن المرأة الواحدة قد تتعرض إلى أكثر من شكل من أشكال العنف، وإنما تكشف عن تعدد أنماط العنف وتداخلها.
وهذا التداخل هو الذي يجعل العنف الاقتصادي مهمًا في سياق هذه المداخلة.
فحرمان المرأة من مواردها أو التحكم في دخلها لا يقتصر أثره على الجانب المالي، بل قد يحد من قدرتها على اتخاذ قرار مستقل، وعلى طلب المساعدة، وعلى مغادرة العلاقة العنيفة، وعلى تحمل تكاليف التقاضي أو الانتقال أو الإقامة أو رعاية الأطفال.
وتؤكد معطيات التقرير الوطني حول مقاومة العنف ضد المرأة لسنة 2021 هذه الأهمية، إذ بلغ العنف الاقتصادي 42% من الإشعارات الواردة على الرقم الأخضر 1899، في المرتبة الثالثة بعد العنف المعنوي والعنف المادي. وقد سجل الرقم الأخضر سنة 2021 حوالي 7588 مكالمة، في حين بلغت المكالمات سنة 2020 حوالي 15000 مكالمة، بما يعكس، مع اختلاف طبيعة المؤشرين، حجم الضغط الذي فرضته تلك الفترة على آليات الإشعار والحماية. كما كان الزوج هو القائم بالعنف في 74% من الحالات الواردة على الرقم الأخضر.
وهنا ينبغي التشديد على أن نسبة 42% لا تعني أن 42% من النساء في تونس يتعرضن للعنف الاقتصادي، وإنما تعني نسبة العنف الاقتصادي ضمن الإشعارات الواردة على الرقم الأخضر في المعطيات المشار إليها. وهذا التمييز ضروري حتى لا نخلط بين انتشار الظاهرة في المجتمع وبين توزيع الحالات المبلّغ عنها.
وتتأكد أهمية هذا التحفظ المنهجي عند قراءة المعطيات التي أوردتها دراسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بشأن ضحايا العنف الاقتصادي اللاتي قمن بالتبليغ؛ إذ تفيد الدراسة بأن 93% من النساء المبلّغات كن من النساء النشيطات اقتصاديًا، مع تسجيل نسبة 10% بالنسبة إلى النساء العاطلات عن العمل.
ولا يجوز، في تقديرنا، استنتاج أن النساء النشيطات اقتصاديًا أكثر تعرضًا للعنف الاقتصادي من النساء غير النشيطات بمجرد هذه النسب؛ فالبيانات هنا تتعلق بالنساء اللاتي بلغن عن العنف وليس بجميع النساء المعرضات له.
والقراءة الأهم قانونيًا تتمثل في احتمال أن تعكس هذه المعطيات فجوة في الوصول إلى آليات التبليغ والتكفل.
فالمرأة التي تتمتع بدخل أو بعمل قد تكون، من حيث المبدأ، أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، والتنقل، والاستعانة بالمؤسسات، واتخاذ قرار الانفصال، في حين قد تكون المرأة غير النشيطة اقتصاديًا، ولا سيما ربة البيت، أكثر ارتباطًا بالمورد المالي الذي يسيطر عليه المعتدي.
وبذلك يصبح الاقتصاد عاملًا مزدوجًا:
فمن جهة، قد تكون التبعية الاقتصادية مصدرًا للهشاشة.
ومن جهة أخرى، قد تؤدي هذه التبعية ذاتها إلى تقليص القدرة على استعمال آليات الحماية.
وهنا تبرز نتيجة أساسية في تقييم الحماية القانونية:
قد تكون المساواة في الحق مقررة في النص، دون أن تكون المساواة في القدرة على استعمال هذا الحق متحققة في الواقع.
وهذا بالضبط ما يجعل قانون 58 لسنة 2017 مهمًا في سياق سبعينية مجلة الأحوال الشخصية؛ فهو يكشف عن انتقال المنظومة القانونية من حماية العلاقة الأسرية في ذاتها إلى حماية الشخص داخل الأسرة من علاقات القوة التي قد تتحول إلى عنف أو استغلال أو تمييز.
ثالثًا: الطلاق وتغير بنية الأسرة وإعادة توزيع الهشاشة
لا يمكن فصل هذه المعطيات عن التحولات التي عرفتها بنية الأسرة التونسية.
فالطلاق، من المنظور القانوني، واقعة تنهي الرابطة الزوجية وفق الشروط التي يحددها القانون، لكنه من المنظور الاجتماعي والاقتصادي قد يؤدي إلى إعادة توزيع الأعباء والمسؤوليات داخل الأسرة.
وتتحمل المرأة، في بعض الحالات، جزءًا مهمًا من هذه الأعباء، خاصة عندما تقترن رعاية الأطفال بضعف الموارد الاقتصادية أو صعوبة النفاذ إلى سوق الشغل.
ومن هنا تلتقي ثلاثة عناصر تبدو في الظاهر مستقلة:
الطلاق، والهشاشة الاقتصادية، وفعالية النفقة.
فالحق في النفقة لا يمكن تقييمه بمعزل عن إمكانية تنفيذه، كما أن إمكانية تنفيذه لا يمكن فصلها عن قدرة المرأة على الوصول إلى الآلية التي تضمنه.
وعليه، فإن صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق لا يمثل مجرد تدخل مالي لاحق على الحكم القضائي، وإنما يعكس تحولًا في فلسفة قانون الأسرة من تنظيم العلاقة الزوجية إلى محاولة معالجة آثار انهيارها.
وهذا التحول مهم في سياق الأزمات؛ لأن حماية المرأة بعد الطلاق لا تتعلق فقط بإنهاء الرابطة الزوجية، وإنما كذلك بقدرتها على إعادة بناء وضعها الاقتصادي والاجتماعي، وعلى ضمان حقوق الأطفال، وعلى عدم تحول الطلاق إلى مدخل جديد للهشاشة.
ومن هنا يمكن القول إن تطور الحماية القانونية خلال العقود الأخيرة لم يعد يقاس فقط بعدد الحقوق التي يقرها المشرع، وإنما بمدى قدرة المنظومة القانونية على استيعاب الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن ممارسة تلك الحقوق أو عن انتهاء العلاقات الأسرية.
رابعًا: من حماية الوضعية إلى إعادة إنتاج الوصم: حدود اللغة القانونية
تظهر الهشاشة داخل الأسرة أيضًا في صورة أخرى، أقل مادية وأكثر رمزية، تتصل باللغة التي يعتمدها النص القانوني في تسمية بعض الوضعيات الأسرية.
فقد أفرد المشرع الكتاب السابع من مجلة الأحوال الشخصية بعنوان «في أحكام اللقيط»، ونظم الفصول من 77 إلى 80 أحكام هذه الوضعية، من النفقة والتكفل والحيازة إلى بعض الآثار المالية. وينص الفصل 77 على وجوب نفقة من تكفل بلقيط واستأذن من الحاكم إلى أن يصير قادرًا على التكسب، ما لم يكن له مال، كما نظمت الفصول اللاحقة وضعية اللقيط من حيث الحيازة والمال ومآل المكاسب عند الوفاة.
كما يستعمل الفصل 152 من المجلة عبارة «ولد الزنا» عند تنظيم الإرث، مقررًا أن «يرث ولد الزنا من الأم وقرابتها وترثه الأم وقرابتها».
والجدير بالملاحظة أن الإشكال الذي تثيره هذه الأحكام لا يتعلق بغياب الحماية القانونية بصورة مطلقة؛ فالنص يرتب حقوقًا والتزامات وآثارًا مالية.
وإنما يتعلق بالمفارقة بين مضمون الحماية وصياغة الحماية.
فقد يمنح المشرع حقًا لشخص يوجد في وضعية أسرية هشة، لكنه قد يظل يستعمل في الوقت ذاته مفردات تحمل في المجال الاجتماعي حمولة وصمية يمكن أن تتجاوز الوظيفة القانونية للمصطلح إلى التأثير في صورة الشخص ومكانته داخل المجتمع.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنسبة إلى المرأة؛ لأن بعض الوضعيات التي تتصل بالإنجاب خارج إطار الزواج قد تحمل المرأة جزءًا كبيرًا من تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية، بما قد يضاعف تعرضها للوصم والتهميش والتبعية.
ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان القانون قد رتب حقًا في النفقة أو الإرث، وإنما يتصل كذلك بما إذا كانت لغة القانون ذاتها منسجمة مع فلسفة الحماية الحقوقية الحديثة.
ويظهر التطور التشريعي اللاحق دالًا في هذا المجال.
فقد صدر القانون عدد 75 لسنة 1998 المؤرخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب، ثم وقع تنقيحه وإتمامه بالقانون عدد 51 لسنة 2003 المؤرخ في 7 جويلية 2003. وقد اتجه هذا التشريع إلى استعمال مفهوم «مجهول النسب» بدلًا من بعض المفردات التقليدية، كما نظم إسناد اللقب العائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب.
ويكتسب هذا التطور دلالة خاصة لأن المشرع لم يتعامل مع مسألة اللقب باعتبارها مجرد مسألة إدارية، بل ارتبطت الحماية فيها أيضًا بتجنب الكشف عن حقيقة الأصل على نحو قد يؤدي إلى الوصم الاجتماعي.
وبذلك يكشف التطور التشريعي عن تحول في تصور الحماية:
فالحماية لم تعد تقتصر على منح الحق، وإنما أصبحت تشمل كذلك حماية الشخص من الآثار الاجتماعية التي قد تنتج عن كشف وضعية أسرية هشة أو عن استعمال لغة تحمل دلالة وصمية.
ومن ثم، فإن بقاء بعض المفردات التقليدية في مجلة الأحوال الشخصية بعد سبعين سنة يثير سؤالًا تشريعيًا وحقوقيًا مشروعًا:
هل تكفي الحماية المادية إذا ظلت لغة النص تحمل آثارًا رمزية قد تساهم في إعادة إنتاج الوصم؟
لا يعني ذلك أن تغيير المصطلح قادر بمفرده على إزالة الوصم؛ فالوصم ظاهرة اجتماعية وثقافية مركبة، تتجاوز النص القانوني إلى التمثلات والممارسات.
لكن اللغة التشريعية تظل جزءًا من البيئة الرمزية التي تتحرك داخلها القاعدة القانونية، ومن ثم فإن مراجعتها يمكن أن تكون أحد عناصر تحديث الحماية ذاتها.
خاتمة
تكشف قراءة سبعين سنة من مجلة الأحوال الشخصية، في ضوء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أن تطور الحماية القانونية للمرأة لم يتوقف عند مرحلة الاعتراف بالحق.
فقد انتقل المشرع، تدريجيًا، من إقرار الحقوق إلى البحث عن آليات لضمان فعاليتها؛ ومن تنظيم العلاقة الأسرية إلى حماية المرأة داخلها؛ ومن التركيز على العنف المادي إلى الاعتراف بأشكاله النفسية والاقتصادية وغيرها؛ كما بدأ التطور التشريعي اللاحق يولي أهمية أكبر للبعد الحقوقي والرمزي للحماية.
لكن الأرقام تكشف، في المقابل، أن التطور التشريعي لم ينهِ أسباب الهشاشة.
فالبطالة النسائية بلغت في الثلاثي الأول من سنة 2026 20.7% مقابل 12.3% لدى الرجال، وبلغت 32% لدى النساء حاملات شهادات التعليم العالي. كما أن النساء لا يمثلن سوى 30.2% من مجموع المشتغلين.
وفي مجال العنف، تكشف المعطيات الوطنية عن تعدد أشكال الاعتداء، حيث بلغت نسبة التعرض إلى شكل من أشكال العنف 57.3%، فيما سجل العنف الاقتصادي 11.4% ضمن مؤشرات المسح، بينما بلغ 42% من الإشعارات الواردة على الرقم الأخضر وفق التقرير الوطني لسنة 2021، وهي مؤشرات مختلفة من حيث المجتمع الإحصائي والمنهج، ولا يجوز دمجها حسابيًا، لكنها تلتقي في إبراز استمرار الظاهرة وتعدد صورها.
أما في مجال الحماية المالية، فإن إحداث صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق سنة 1993 يمثل خطوة متقدمة في اتجاه تحويل الحق من مجرد حكم قضائي إلى حق قابل للنفاذ، غير أن تحديد تدخل الصندوق في مدة لا تتجاوز ثمانية أشهر خلال السنة المدنية الواحدة يعيد طرح مسألة كفاية الحماية واستمراريتها في مواجهة الهشاشة الاقتصادية.
ومن ثم، فإن حصيلة سبعين سنة لا ينبغي أن تقاس فقط بما أضافه المشرع إلى رصيد الحقوق، وإنما أيضًا بمدى قدرة المرأة على الوصول إلى هذه الحقوق وممارستها والانتفاع بها بصورة فعلية.
وهنا نصل إلى نتيجة أساسية:
إن الفجوة المعاصرة في حماية المرأة داخل الأسرة لم تعد تتمثل بالضرورة في غياب الحق من النص، وإنما أصبحت تتمثل، بدرجة متزايدة، في شروط النفاذ إلى الحق وفعالية آليات تنفيذه واستمرارية الانتفاع به.
ففي مجال النفقة، لا يكفي الاعتراف بالحق إذا تعذر التنفيذ.
وفي مجال العنف، لا يكفي التجريم إذا حالت التبعية الاقتصادية والاجتماعية دون التبليغ أو مغادرة العلاقة العنيفة.
وفي مجال الهشاشة الاقتصادية، لا يكفي تقرير المساواة القانونية إذا ظلت شروط الاستقلال الاقتصادي غير متكافئة.
وفي مجال اللغة القانونية، لا تكتمل الحماية المادية إذا بقيت بعض المفردات قادرة على إعادة إنتاج الوصم الاجتماعي.
وبذلك يمكن اختزال مسار التطور الذي تكشفه هذه القراءة في انتقال متدرج:
من الحق إلى النفاذ إليه،
ومن الحكم إلى تنفيذه،
ومن التجريم إلى الوقاية والحماية والتكفل،
ومن الاستقلال القانوني إلى الاستقلال الاقتصادي الفعلي،
ومن حماية الوضعية إلى حماية الشخص من الوصم.
ولعل الرهان الحقيقي للسبعين سنة القادمة لا يتمثل فقط في إضافة حقوق جديدة إلى رصيد المرأة، وإنما في بناء منظومة تجعل هذه الحقوق قابلة للممارسة فعليًا، ومتاحة بصورة متساوية، وقادرة على مقاومة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تعيد إنتاج الهشاشة داخل الأسرة.
ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل مجلة الأحوال الشخصية لا يقاس فقط بقدرتها على مواصلة التطور التشريعي، وإنما بقدرتها على الانتقال بصورة أكثر حسمًا من الحماية القانونية المقررة إلى الحماية القانونية الفعلية.
وهنا تحديدًا تتجاوز سبعينية مجلة الأحوال الشخصية مجرد الاحتفاء بماضٍ تشريعي رائد، لتصبح مناسبة لطرح سؤال المستقبل:
كيف نجعل القانون لا يكتفي بمنح المرأة حقًا، وإنما يضمن لها القدرة الفعلية على استعماله؟
ذلك، في تقديرنا، هو الاختبار الحقيقي للحماية بعد سبعين سنة.