السجن محرّكا للمقاومة: ديناميات الفعل وإمكانات التغيير
مهدي العش
تم تقديم هذه المداخلة خلال الندوة الوطنية: من الغضب الى التنظم، نحو مقاومة اجتماعية مدنية مشتركة يوم 24 جانفي 2026
إزاء خنق الفضاء العامّ وتصحير المجال السياسي، يُصبح مجرّد فتح نقاش كالذي نخوضه اليوم فِعلَ مقاومة يستحقّ التحيّة والتقدير لمن نظّمه ومن احتضنه. لكنّ أهمية هذا النقاش، الذي اخترتم له عنوان « من الغضب إلى التنظم »، تتجاوز مجرد تحدّي محاولات قتل السياسة وتكميم الأفواه. فهو أوّلا مهمّ في موضوعه وهدفه: كيف ننظم ونعزّز مقاومة الاستبداد؟ فكما ورد في تقديم الندوة، الإطاحة بنظام الاستبداد القائم ليست فقط رهينة تناقضاته الداخلية أو فقدانه الدعم الخارجي، وإنما مرتبطة قبل كلّ شيء بالمقاومة التي يواجهها الآن وهنا. فما بالك بفُرص إعادة فتح قوس الثورة والديمقراطية، وهي استحقاق أصعب من إسقاط المستبدّ الحالي.
هو أيضا نقاش مهمّ في توقيته، لأنّنا نشهد في الأسابيع الأخيرة نوعًا من الديناميكية السياسيّة في الشارع والفضاء العامّ (بالمقارنة مع حالة الركود التي سبقتها). لكنّ هذه الديناميكيّة، كما في كلّ مرّة، مرتبطة إلى درجة كبيرة بتصعيد السلطة (أحكام التآمر، إيقافات وازنة، تعليق نشاط جمعيّات…)، مما يضعنا أمام تحدي صعب لرعايتها وضمان حدّ أدنى من الاستدامة لها والمراكمة عليها.
لا خلاف في أنّنا « لا ننطلق من الصفر أو من الفراغ بل من مراكمات ». لكنّ المراكمة تحتاج مسافة نقديّة، وعَيْنًا لا تختزلُ المشهد في لحظة مُسقطة، بل تنظر إليه في تطوره وفي ديناميكيته. فنحن إزاء تحوّل استبدادي، أو عملية « أوتقرطة »، بمعنى انتقال من نظام ديمقراطي نسبيّا إلى نظام تسلّطي )والإقرار بأنّ العشرية كانت ديمقراطية، مهما كانت أمراضها ونواقصها ومساوئها، لا يعني إنكارًا لتعثّراتها ولا شهادة حُسن سلوك للفاعلين السياسيّين فيها(. كلّ انتقال استبدادي هو بالضرورة مسار تدريجيّ، يأخذ وقتا، ويبدأ بتفكيك مُمكنات المقاومة شيئا فشيئا حتّى يستتبّ له الأمر. في مثل هذه الحالات، تكون القدرة على التصدي لهذا المسار أقوى في البداية، وتضعُف كلّما رسّخ النظام جذوره وسيطر على المؤسسات وقلّص هامش الحريات. للأسف، علينا الإقرار بأنّنا (وهنا أقصد النُّخب بشكل عامّ) أضعنا وقتا ثمينا. يكفي أن ننظر إلى معركة إخضاع القضاء كي نُدرك أنّه كانت هناك مقاومة ما، نبّهت باكرا إلى مسعى السلطة « لافتكاك مفاتيح السجون » وحاولَت التصدي له، وربما لو وَجدت أكثر دعم والتفاف لما وصلنا إلى هذا الوضع.
ولكنّ المعادلة ليست في اتجاه واحد. في الوقت ذاته، كلّما انكشفت طبيعة النظام أكثر، واتضح زيف وعوده، إلا وزاد الوعي بضرورة مقاومته. فالزمن أيضا يُنهِكُ الأنظمة، خصوصا حين تكون بمثل هذا العجز عن إيجاد حلول لمطالب الناس. طبعا، الزمن لا يكفي لتغيير موازين القوى وإسقاط نظام قائم، فالأمر مرتبط كما قلنا بنجاعة المقاومة، والمقاومة تحتاج مناضلين ومناضلات، واستراتيجيات وأدوات ووسائل ومساحات، تضيق كلّ يوم أكثر بفعل القمع والخوف.
إنّ النظرة الاسترجاعية (rétrospective) ليست دعوة إلى التحسّر على الفرص الضائعة، بقدر ما هي نداء ملحّ لنُدرك استعجالية استحقاق المقاومة. فكلّ وقت نخسره، تتقلص فيه مساحات الفعل. فالاستبداد الذي نواجهه لا يزال في طور التشكّل والتمأسس، ولو أنّه هو الآخر يستفيد من مراكمة طويلة من أشكال وثقافة ومؤسسات الاستبداد. كلّ تقاعس اليوم سندفع ثمنه غاليا غدًا. لأنّنا ربما لم نرَ الأسوء بعد. فخلافا لما يروج له البعض من أوهام، يصعب جدّا أن يذهب مثل هذا النظام في اتجاه غير الانغلاق أكثر فأكثر. ليس فقط لأنّها طبيعة الأنظمة الاستبدادية بشكل عامّ، ولكن أيضا لخصوصيّة الاستبداد الذي نواجهه، بوصفه مهوسًا بالمؤامرة، لا يؤمن بحوار أو تهدئة. أيّ رهان على انفتاح داخله خاسر بالضرورة. حتى حين يطلق سراح بعض المساجين السياسيّين بعد اشتداد الضغط عليه، فإنّ ذلك يترافق مع إيقافات وأحكام سجنية جديدة. هو فقط يُعيد توزيع القمع قليلا، ويُبقي سيف السجن فوق رقاب الجميع. لكنّ اضطراره إلى هذه الحسابات هو دليل على أنّ الضغط والتسييس والاحتجاج يحقّق بعض النتائج. والمقصود هنا هو الضغط الداخلي، في الشارع والرأي العامّ، وليس لوائح البرلمان الأوروبي التي لا تغيّر شيئا في السياسات الأوروبية المحكومة بأولوية تصدير الحدود والتصدي للهجرة والتي تتعايش جيّدا مع الاستبداد طالما حقّق لها ذلك.
لقد أصبح السجن اليوم، كما كان قبل الثورة إن لم يكن أكثر، عمادًا من أعمدة النظام، وخاصّية من خصائصه. فهو الأداة الرئيسية لتصفية المعارضات السياسيّة بمختلف تياراتها -بغضّ النظر عن ضُعفها الذاتي وعجزها عن تهديد النظام بشكل جدّي-، من خلال قضايا التآمر وتهم الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة والانضمام لوفاق إرهابي، بالاعتماد على قضاء جزائي خاضع تحت سيف الترهيب ومذكرات العمل اليومية. والسجن أيضا أداة لخنق فضاءات التعبير من إعلام ومجتمع مدني ونقابات، وصولا إلى تجريم التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي، بسيوف المرسوم 54 والإساءة للغير عبر شبكات الاتصال والأمر الموحش ضدّ الرئيس وحتى الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة والتهم الإرهابية. وهو أيضا أداة لتجريم الحراك الاجتماعي والبيئي، على الأقلّ بالتهديد والأحكام الغيابية. لكنّ السجن ليس فقط أداة لقمع المعارضين والمناوئين، بل هو أيضا الحلّ الوحيد الذي تمتلكه السلطة للأزمات والمشاكل الاجتماعية، من أزمة التزود في المواد الأساسية (الاحتكار و «مسالك التجويع »)، إلى انقطاعات الماء، مرورا بتجريم الهجرة إلى أوروبا وصولا إلى ابتزاز أصحاب الأعمال لتمويل مشاريع السلطة والتسويق لعدالة اجتماعية وهمية. فالسجن هو في الآن ذاته أداة تخويف وسيطرة وقمع، و « مُنجزٌ » تقدّمه السلطة للناس في حربها الدونكيشوتية ضدّ طواحين الهواء، والترجمة الوحيدة لرواية المؤامرة التي تتخذها ستارا لعجزها.
ولكنّ السجن تحوّل في الفترة الأخيرة إلى محرّك للمقاومة، ودافع للاحتجاج واللقاء والتنظم، حتى أصبحت الحركيّة السياسيّة مرتبطة بدرجة كبيرة بموجات سجن المعارضين والإعلاميّين والمحامين والنشطاء. ولئن كانت الظاهرة لافتة للنظر، إلا أنها ليست استثناء، بل هي ردة الفعل المعتادة حين يُجرّم العمل السياسي وينحدر الصراع إلى المطالبة بالحدّ الأدنى الحقوقي، ويصبح السجن محور العملية السياسيّة سواء من طرف السلطة، أو (تبعا لذلك) لدى مناوئيها. فكلما لجأت السلطة للسجون إلا وحوّلتها رغما عنها إلى ساحة نضال ومقاومة، داخل الزنازين ولكن أيضا خارجها. لكنّ هذه الظاهرة تحمل في الوقت ذاته حدودا يصعب تجاوزها، وهي انحصارها في منطق « ردّة الفعل » وتراخيها مع الوقت.
فاختيار تسليط الضوء على ظاهرة السجن كمحرّك للمقاومة، لا نقصد به أنّ النضال لإطلاق سراح السجناء يمكن أن يختزل المعركة الديمقراطية، ولا أنّ « تسييس السجن » كفيل بتغيير موازين القوى. ولكنّ ما نطرحه في هذه المداخلة ينطلق من معاينة للواقع (على قسوته وضعف قوى المقاومة فيه) وتحولاته وممكناته، وتفكير في ما يُمكن البناء عليه لتجذير المقاومة وتنظيمها وتوسيعها. بعيدًا عن أي توهّم لعصا سحريّة يمكن أن تحسم المعركة، وبناء على قناعة بأنّ أيّ تغيير يشترط الكثير من العمل الدؤوب والنضال الميداني في ارتباطه واشتباكه مع التفكير والنقاش، وأكبر قدر ممكن من الصبر والتواضع والمراكمة.
1/ السجن كمحرّك توضيح
إنّ الوضوح شرط لمقاومة ناجعة، فسؤال « كيف نواجه؟ » يحتاج الإجابة على سؤال « ماذا نواجه؟ ». أحد نقاط ضعفنا منذ 25 جويلية 2021 كان عدم الوضوح، بدءا بالتمنع عن اعتبار ما حصل انقلابًا، بغضّ النظر عن العوامل التي سهّلته ومسؤوليات الأطراف السياسيّة في التمهيد له. إنّ الحسم في طبيعة النظام يسمح بتطوير نقاش أسئلة المشاركة الانتخابية من عدمها، والتعامل مع المؤسسات القائمة، والمخارج الدستورية من الوضع، وهو ما يمكن أن يساهم في تصدير خطاب واضح وبدائل للرأي العامّ. قد يختلف التقدير حول لحظة « نهاية الانتقال الديمقراطي »، إن كانت في 25 جويلية أو في 21 سبتمبر 2021، أو 25 جويلية 2022، أو حتى في إيقافات أو أحكام التآمر. لكنّ مرور النظام إلى مرحلة سجن القيادات المعارضة والمرشحين المعلنين للرئاسية بقضايا متهافتة تفوح منها رائحة التعليمات السياسيّة، ساهم بشكل كبير في حسم طبيعته الاستبداديّة.
فبغضّ النظر عن التصنيفات الدولية ومعاييرها، لسنا إزاء نظام هجين يجمع بين سمات ديمقراطية وأخرى تسلّطية. كما لسنا أمام « تسلطية تنافسية » أو « ديمقراطية غير ليبرالية »، ما دام السجن وسيلة لإقصاء المنافسين السياسيّين.
من جهة أخرى، توصيف النظام القائم اليوم « بالشعبوي » من شأنه أن يحجب أو على الأقلّ يخفّف من طابعه الاستبدادي. فالشعبوية تبقى ظاهرة ديمقراطية بالأساس، بمعنى أنّها تظهر وتترعرع بالأخصّ ضمن السياقات التي يتوفر فيها حدّ أدنى من الديمقراطية. وبغضّ النظر عن الانتقادات الموجهة للمفهوم، فإنّه قد يكون صالحا في سياق ديمقراطي، أو لتفسير مخاض الخروج من الديمقراطية، ولكن حين يستّتب الاستبداد فإنّ المفهوم يفقد الكثير من صلوحيته. فنظام 25 جويلية اليوم يقوم على احتكار السلطة وإخضاع القضاء الجزائي وامتلاك مفاتيح السجون وعلى إرث الاستبداد القديم، أكثر بكثير من خطابه الشعبوي.
لقد تحوّل النظام السياسي في 25 جويلية 2021 إلى دكتاتورية، بمعنى احتكار السلطة. ولم تكن « دكتاتورية مؤقتة » على معنى حالة الاستثناء لأنّ الهدف لم يكن حماية النظام الدستوري إزاء خطر داهم، بل الانقلاب عليه لوضع « بناء جديد ». كلّ دكتاتورية هي استبداد بالقوة (en puissance). لكنّنا منذ فيفري 2023، أو ربما منذ إيقاف علي العريض في ديسمبر 2022، أصبحنا أمام استبداد بالفعل (en acte). فسجن المعارضين السياسيّين وأصحاب الآراء المخالفة بمثل هذا الشكل الواسع واعتماد الخوف وسيلة للحكم، هو من أهمّ خصائص الأنظمة الاستبدادية. وهو أيضا الدليل على أنّنا أمام نظام أغلق قوس الديمقراطية وبصدد تصفية مكاسب الثورة. فالسجن يعرّي أيضا تهافت الخطاب القائم على المقابلة بين الثورة والانتقال الديمقراطي كما لو كانا نقيضيْن (17 مقابل 14)، فالثورة هي التي فتحت طريق الديمقراطية في تونس، التي كانت وستبقى أحد عناوينها ومطالبها. فإن كان التوتّر بين الثورة والديمقراطية طبيعيّا (وقابلا للمعالجة) في مسار انتقال ديمقراطي، فإنّه يفقد أيّ راهنية حين يحلّ الاستبداد محلّهما.
2/ السجن كمحرّك احتجاج
نقصد هنا الاحتجاج بالمعنى الواسع، في الشارع ولكن أيضا في الفضاء العامّ، بما يشمل الفضاء الافتراضي. فالحيّز الأكبر من الخطاب الناقد للسلطة اليوم هو في علاقة بالمساجين والمحاكمات السياسيّة، وهي ليس بالضرورة ظاهرة صحيّة، لأنّها تعكس حالة التصحّر السياسي، ونجاح السلطة في إرجاعنا للمربع الحقوقي الأولّ. ولكنّ مثل هذا الاحتجاج يقطع على الأقلّ مع الركود السياسي، ومع محاولة السلطة قتل السياسة في البلاد ودفع الناس للتطبيع مع حُكمها. ولعلّ المفارقة هي أنّ السجن، بقدر ما يشكّل عامل ضغط وترهيب وتخويف وصنصرة ذاتية، فهو في الآن ذاته يفرض على الكثيرين حدّا أدنى من التضامن والمواقف السياسيّة.
أمّا في الشارع، فقد تحوّل عدد من المحاكمات السياسيّة إلى مواعيد لوقفات احتجاجية تكاد تكون أسبوعيّة أمام « قصر العدالة » بباب بنات. ولئن كان الحضور الميداني فيها لا يتجاوز عادة العشرات، إلا أنّ مثل هذه الوقفات تبقى مهمّة لإبراز التضامن مع المساجين وخلق زخم إعلامي حولهم.
ولكنّ الأهمّ، هي المسيرات التي انتظمت في شوارع العاصمة، خصوصا منذ نهاية نوفمبر 2025. فقد تحرّك الشارع السياسي بعدد يتراوح بين المئات والآلاف، أربعة أسابيع على التوالي، ثمّ مرّة خامسة بعد أقلّ من شهر. وهي تحرّكات مرتبطة صراحة ومباشرة بقضية المساجين السياسيّين. ولئن كانت مثل هذه المسيرات غير كافية لقلب موازين القوى، إلا أنّها، على اختلاف جهات تنظيمها وترتيباتها والمشاركين فيها، تُحرج النظام وتُربكه وتفضحه، ولا تساهم في تلميع صورته أو في إنكار طبيعته الاستبدادية بحجّة عدم قمعه المظاهرات كما ذهب إلى ذلك البعض. أولا لأنّ قمع المسيرات متواصل وإن بأساليب ناعمة، مثل كاميرات المراقبة وغلق الأنهج وهرسلة المناضلين، وصولا إلى القضايا والسجون كما حصل مع أعضاء مكتب باجة في حركة النهضة الذين تمّ إيقافهم على خلفية مشاركتهم في مظاهرة والحُكم عليهم بتهم التآمر والإرهاب. وثانيا لأنها فرصة ونافذة للتنديد بالاستبداد وممارساته وكسر حاجز الخوف والحفاظ على حركيّة احتجاجية. وثالثا لأنّ مواصلة التظاهر في الشارع شرطٌ للمحافظة على القليل المتبقي من مربعات الحرية. فالحرية لا تُحمى إلا بممارستها. ولكن ذلك يشترط وضوح الرسالة السياسيّة. « المعارضة ليست جريمة »، شعار مسيرة 6 ديسمبر بعد الأحكام الاستئنافية في قضية التآمر وإيقاف شيماء عيسى والعياشي الهمامي وأحمد نجيب الشابي، كان رسالة سياسيّة واضحة. كذلك فكرة « الظلم » وترجمتها في مسيرة 22 نوفمبر، كمحاولة للجمع بين المحاكمات السياسية وخنق الحريات والمظلمة البيئية والصحية المتواصلة في قابس. وفي تواصل معه، شعار « الظلم مؤذن بالثورة »، في استذكار للثورة ومكتسباتها بغية إعادة افتكاكها من الرئيس الذي يدّعي الانتصار لها (رسالة « لن تُغلق قوس الثورة » مع ربط سعيّد ببن علي كانت في هذا السياق واضحة ومباشرة ومُزعجة للسلطة). كل هذه الشعارات تبقى بلا شكّ جملاً سياسيّة قابلة للنقاش وحتى الجدل حول وضوحها وفاعليّتها ونجاعتها. ولكن في كلّ الحالات، لسنا أمام مجرّد احتجاج يردّ الفعل. فالمسيرات المتتالية منذ 22 نوفمبر شكّلت نُقلة نوعية، ليس فقط في نسقها وتنوعها وشكلها وحجمها، ولكن أيضا في محاولتها إعادة بناء المعنى والجملة السياسيّة، وتوجيه رسائل للسلطة والرأي العامّ.
3/ السجن كمحرّك تنظم
ديناميكية الاحتجاجات الأخيرة ليست منعزلة عن حركية تنظيمية مثلتها بالأخصّ لجنة مساندة أحمد صواب. وهي المثال الأبرز والأكثر تنظما ونشاطا وفعالية لظاهرة أشمل، ارتبطت بعدد من السجناء السياسيّين، وهي لجان الإسناد، التي تضمّ عائلة وأصدقاء المعتقل السياسي. ورغم أنّ درجة انخراط العائلات في المعركة تختلف من معتقل إلى آخر، إلاّ أنّ عددا لا يستهان به من أبناء وزوجات وآباء وأقارب المعتقلين والمعتقلات بصدد لعب هامّ في الدفاع عن قضايا ذويهم، حتى لا يتمّ نسيانهم.
كما تمّ في ذكرى 14 جانفي إعلان تأسيس التنسيقيّة الوطنية لإطلاق سراح المساجين السياسيّين/ات، وهي إطار تنسيقي مفتوح على العائلات والمناضلين، بهدف تعزيز التضامن والتنسيق بين المكونات الموجودة وخوض معركة الرأي العامّ. وقد جاءت لتلبية حاجة ملحّة (ربما تأخّرت سنوات) لإطار يدافع عن كلّ المساجين دون استثناء، المعروفين منهم والمجهولين، ويفكّ العزلة عنهم وعائلاتهم، ويحوّل قضيّة السجن إلى رافعة لمقارعة الاستبداد.
مثل هذه الأطر المرنة لا يمكن أن تعوّض ضرورة التنظم السياسي، وهي من أهمّ نقاط ضعف المشهد المعارض اليوم، كما يبرز في عجز التنظيمات الحزبية عن التعبئة وعن إعادة بناء نفسها. لكنّ ذلك لا ينفي أنّ لجنة إسناد أحمد صواب على سبيل المثال أضحت، في حالة التصحّر السياسي هذه، بمثابة فاعل سياسي، تبادر وتقود المسيرات وتقترح جملا سياسيّة. وهي كأيّ فاعل سياسي تُخطئ وتُصيب، وليس هنا المجال لتقييم أو نقاش دورها، وإنما لإبراز كيف أنّ السجن يمكن أن يتحوّل إلى محرّك للتنظم، وإن ضمن الحدود التي تفرضها الصيغ المرنة بالمقارنة مع الالتزام الحزبي.
4/ السجن كمحرّك تقريب وتجميع
من أهمّ ملامح الديناميكية الأخيرة، هي علامات انفتاح عند الأطراف السياسية على حدّ أدنى من التضامن أمام القمع وصولا إلى العمل المشترك على إنهائها. فالمظلمة واحدة، والمعاناة واحدة، والخصوم السياسيون جمعهم السجن. ليس غريبا إذًا أن تعكس المسيرات ضدّ الظلم والاستبداد والمحاكمات السياسيّة، تنوّع مشهد ضحايا الاستبداد. لكنّ ذلك لا ينفي أنّ هذه النزعة تواجه ممانعة وسوء فهم وتطرح سؤالا إشكاليا، ربما يساهم تفكيكه في تحسين شروط نقاشه.
أهمّ خلط يحصل في هذا النقاش، والذي نُعيد انتاجه على الأقلّ منذ التسعينات، هو الخلط بين السؤال المبدئي والسؤال التكتيكي، إما باسم ضرورة سياسيّة عملية، أو في الجانب المقابل لخلق فزاعة للتهرّب من الإجابة.
السؤال المبدئي هو عن حقّ الجميع، الخصوم كما الأصدقاء، في العمل السياسي. وهو ما يفترض موقفا واضحا ضدّ المحاكمات السياسيّة للجميع، والمطالبة بإطلاق سراحهم جميعا، من سيف الدين مخلوف وراشد الغنوشي إلى عبير موسي، مرورا بالبقيّة. جميعهم سجناء بقرار سياسي، لأنّهم معارضون، وبملفات مُضحكة وفي محاكمات فضيحة. هو سؤال مبدئي ويحتاج إجابة مبدئية، يمكن أن تسندها الحجة البراغماتية ولكن من دون أن تُخضع السؤال إلى حسابات الربح والخسارة السياسية. إذ لا معنى لديمقراطية إذا لم تعكس التنوع الموجود في المجتمع. فالخصومة السياسية تدار بالآليات الديمقراطية، أمام الصندوق، والمحاسبة الجزائية لا تكون إلا أمام قضاء مستقلّ. الخصومة ليست عداوة، هي لا ترمي للإلغاء أو التصفية الأمنية والقضائية. إزاء نظام استبدادي يقمع خصومنا السياسيّين، يُصبح الحياد تواطئا، ومساواةًَ بين الجلاد والضحية (مهما كانت درجة اختلافنا أو صراعنا التاريخي مع الضحايا).
أمّا السؤال التكتيكي، فعنوانه التحالف والعمل المشترك. وهو سؤال مطروح منذ انقلاب 25 جويلية، وبشكل أكثر إلحاحًا في الفترة الأخيرة. وهو ينبني على تشخيص يعتبر أنّ المشكل الأساسي في المشهد المعارض هو التشتّت. وأنّ تجميع مكونات المعارضة كفيل بتغيير موازين القوى. أو على الأقلّ، إن لم يكن شرطًا كافيا، فهو شرط ضروري. وهذا يحتاج الكثير من النقاش.
لا شكّ أنّ السلطة تخاف من أيّ تقارب أو تجميع وسط المعارضة. والإيقافات السياسية وقضية التآمر دليل على ذلك. ولكن هل يعني ذلك بالضرورة أنّ التجميع كفيل بتغيير موازين القوى داخليا؟ هل أنّ سيناريو تجميع المعارضة (على افتراض إمكانية تحقيقه)، سيخلق قوة شعبية وديناميكية قادرة على إسقاط النظام أو فرض تنازلات عليه؟ أم أنه سيدعم سردية السلطة حول « طبقة سياسية تتناسى خلافاتها لاسترجاع مكاسبها ». من المهمّ قراءة موازين القوى والتفكير في النجاعة السياسيّة بمنظورنا نحن، وليس بمنظور سلطة مصابة بالبارانويا. خوف السلطة من سيناريو التجميع ليس دليلا كافيا على فاعليّته. ولنا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بغضّ النظر على انعدام شروط المنافسة الديمقراطية فيها، نموذج على ما قد يساهم فيه هوس السلطة من أخطاء تقديرية وأوهام لدى جزء من معارضيها.
كما لا يجب أن يكون « التجميع » على حساب التوضيح، فهل ما يجمع هو معارضة قيس سعيّد أم معارضة الاستبداد عموما؟ الجدل الذي حصل بعد المسيرة الأخيرة بعد إشارة الى استبداد بن علي مؤشر على أنّ الإجابة ليست دائما محسومة. أيّ التقاء قد يتاح غدًا إذا ما زادت وطأة الاستبداد وإذا توفّرت شروطه الموضوعية والذاتية، يجب أن ينبني على أساس مضموني صلب، وأن تُنتجه المراكمة السياسيّة في الميدان وديناميكية مجتمعيّة.
في كلّ الحالات، مسألة التحالف والعمل المشترك تبقى سؤالا تكتيكيّا، أي بالضرورة نسبيّا، يحتمل قراءات متعدّدة ويرتبط بالسياق وموازين القوى وتغيراتها. من المهمّ مناقشته، ولكن من دون اختزال فشل المعارضة في تشتّتها أو حصر أفق العمل السياسي في هاجس التوحيد، لأنّ ذلك لن يفيد المراكمة التي من شأنها تهيئة الظروف الموضوعية لتغيير موازين القوى، ومن دون التشويش على استحقاق الموقف المبدئي دفاعا عن حريّة الجميع. ومع الانتباه إلى ضرورة إعطاء بُعد أوسع بكثير للتجميع، بمعنى التوجه للناس، وقد يكون السجن، هنا أيضا، أحد المداخل الممكنة.
4/ السجن كمحرّك امتداد مجتمعي
إنّ السجن لأسباب سياسيّة ليس حِكرا على المعارضة السياسية، ولا حتى النخب المدنية والإعلامية والنقابية، بل يشمل مئات إن لم يكن آلاف الضحايا من المواطنين المجهولين. فالسجن لا يجمع فقط مختلف أطراف المعارضة، ولكنه أيضا، للمفارقة، يمكن أن يكسر عزلتها، في صورة وجود مقاومة سياسيّة تفضح المظالم فتُعرّي النظام وطبيعته الاستبدادية وفشل سياساته وعجزه عن إيجاد حلول.
فتحويل السجن من أداة قمع واستبداد إلى سلاح مقاومة، يمرّ عبر دمج قضايا المساجين السياسيّين المعروفين مع قضايا المساجين السياسيّين المجهولين، لأنّ المعركة واحدة. وهو ما يُخرج الصراع، من مجرّد تصفية حسابات نظام جديد مع نُخب الانتقال الديمقراطي، إلى ما يحصل فعليا من « تفكيك دفاعات المجتمع » وإعادة سيف الاستبداد على رقاب عموم الناس. تسييس قضايا « المواطنين المجهولين »، بمعنى طرحها على الرأي العامّ، هو أيضا أهمّ وأنجع وسائل الدفاع عنهم. فلو لم تتحول قضية محمد جهاد، طالب الطبّ الذي حُكم عليه بـ 10 سنوات سجنا على معنى قانون الإرهاب بسبب ليلة قضاها في القصرين، إلى قضية رأي عامّ لما تمّ على الأرجح الإفراج عنه. ولو حُكم على صابر شوشان بعقوبة سجنية طويلة بدل الإعدام (من أجل صفحة فايسبوكية يتابعها العشرات)، ولم تُثر قضيته إدانة واسعة، لما خرج هو الآخر من السجن. لكنّ ذلك يفترض مواجهة استراتيجية عدم التسييس التي تتبعها جلّ العائلات، أحيانا بدفع من بعض المحامين. فإزاء قضاء التعليمات، المعركة لا تُخاض قانونيا داخل المحاكم، بقدر ما تُخاض سياسيّا وإعلاميا خارجها.
آفاق تسييس السجن تتجاوز تحقيق العدالة لضحاياه، لتشمل معركة الرأي العام وتغيير الموازين القوى السياسيّة. إذ أنّ فضح الملفات القضائية وإيصالها للناس سلاح مهمّ للتوجه للناس، ليس فقط لأنّ الحبس واقع محسوس ومؤلم، يخاطب العواطف وليس فقط العقل، وحتى إذا حرّك شماتة البعض فإنّه أيضا يخلق تعاطفا لدى الكثير. ولكن أيضا لأنّ خصوصية هذا النظام تكمن أيضا في ضحالة ملفاته بدرجة غير مسبوقة. ما تقوم به نورس الدوزي مع « رشمة » حول ضحايا المرسوم 54، على سبيل المثال، مهمّ للغاية، ومثال يُحتذى به. فالدفاع عن المساجين، سواء المعروفين والمجهولين وفضح تهافت ملفاتهم، لا يعرّي فقط المظالم، بل يكشف أيضا رداءة هذا النظام حتى في استبداده.
بل أنّ قضايا المساجين يمكن أن تكون مدخلا لفضح سياسات النظام وعجزه عن إدارة البلاد، من تجريم الهجرة والتضامن لصالح دول الشمال، إلى مشاكل التزويد في المواد الأساسية وغلاء الأسعار التي يفسّرها بالاحتكار ومسالك التجويع، وصولا إلى انقطاع الماء التي يرى فيها مؤامرة تستحقّ سجن موظفي الصوناد، إلخ.صحيح أنّ المنظومة الأمنية-القضائية لم تكن يومًا في أفضل حال، وأنّ الثورة والديمقراطية لم تحقّق فيها إصلاحات كافية. ولكنّ ما يحصل منذ سنوات هو أنّ بارانويا السلطة تحوّلت إلى سياسة قضائية، في ظلّ وضع قضائي غير مسبوق في منسوب الرعب والهشاشة. لقد حوّل النظام البلاد إلى سِجن كبير، الجميع مهدّد فيه بالإيقاف. إزاء وضع كهذا، دورنا هو أن نحوّل السجن إلى عنوان معركة ضدّ الاستبداد، وأن نجعله أحد المداخل حتى ننقل الديمقراطية من معركة نُخبوية إلى معركة مجتمعية واسعة. فالاستبداد لا يضرب نُخبا، بل المجتمع بأسره، وبالأخصّ الطبقات الأضعف.
ولكن ذلك لا يعني أنّ السجن في حدّ ذاته برنامج سياسي، ولا أنّ العفو التشريعي العامّ أفق مطلبي. فخروج المساجين السياسيّين رهين إسقاط الاستبداد. وهو ما لن يتحقّق من دون طرح سياسي واضح وجذري وحاسم، يقدّم بدائل على سياسات السلطة، ويسائل شرعيتها، ويطرح بديلا دستوريّا واضحا وعمليّا يسمح باستئناف طريق الديمقراطية مهما كان متعثّرا خلال العشرية، مع الاستفادة من دروس الماضي.
فالنظام الذي نواجهه هو في نفس الوقت مطعون في شرعيّته (قام على انقلاب على الدستور)، ولكنه أيضا فاقد لعناصر الاستدامة. قد يحصل فيه تغيير في أيّ لحظة، لسبب أو لآخر. تقاعسنا عن طرح السؤال الدستوري، وتصوّر خارطة طريق واضحة، وخلق توافق واسع حولها، قد يطيل عمر الاستبداد مجانا، وقد يفوّت علينا فرصة ارتباك النظام في لحظة انتقال، بما تحتمله من هشاشة ومن إمكانات فعل.