التقرير السنوي للحركات البيئية 2025
يرتكز هذا التقرير على تحليل المعطيات الكمية والنوعية الصادرة عن المرصد الاجتماعي التونسي، والتي تعتمد في منهجية الرصد على ملاحظة ومتابعة وتحليل ما يُنشر في الصفحات الرسمية للمؤسسات العمومية، والصحف، ووسائل الإعلام السمعية البصرية، إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب التحركات الميدانية التي يوثّقها فريق العمل. ويشمل هذا الرصد التحركات الاجتماعية بصفة عامة، والتحركات البيئية بصفة خاصة. ويهدف هذا التحليل إلى تتبّع ديناميكيات الحراك البيئي، وتفكيك أنماطه المختلفة، وإبراز ارتباطاته بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام خلال سنة 2025.
شهدت البلاد التونسية إلى موفّى سنة 2025، تسجيل 427 تحرّكًا بيئيًا من أصل 5196 تحرّكًا اجتماعيًا، أي ما يقارب 8% من مجموع التحركات الاحتجاجية. ويعيش الحراك البيئي حالة من الاستقرار النسبي مقارنة بالحراك الاجتماعي الذي سجّل مع نهاية سنة 2025 زيادة غير مسبوقة بنسبة 80% مقارنة بسنة 2024. ويمكن في هذا السياق الحديث عن انفجار في الحراك الاحتجاجي الاجتماعي وعودة قوية إلى الميدان بعد فترة من الهدوء المرحلي والانخفاض الحاد الذي ميّز السنوات الأخيرة.
وتبرز المقاربة الكمية أنّه، رغم تفاقم الأزمات وتدهور الوضع البيئي في تونس، فإن نسق تطوّر الحراك البيئي لم يواكب تصاعد الأزمة الاجتماعية، وبقي على هامش الأولويات وذلك على عكس المطلبيات الاجتماعية، على غرار التشغيل والصحة وغلاء المعيشة.
وفي ظل ضغط الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتضييق الحاصل على الفضاء المدني والسياسي لا يزال يُنظر إلى التحركات البيئية على أنها “ترف احتجاجي” كما أنّ معظم التحركات البيئية تظل في غالبيتها معزولة ووقتية،
غير قادرة على التحول إلى مطلب وطني جامع، خاصة في ظل ضعف الخطاب البيئي الموحِّد الذي يربط بين رهانات العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية، ويجعل من البيئة أولوية ضمن العمل السياسي والمدني، وذلك انطلاقا من ارتباطها الوثيق ببقية الحقوق.
ولعلّ المثال الأبرز على ذلك يتمثّل في أزمة التلوّث بقابس، التي تبرز العلاقة العضوية بين الحق في بيئة سليمة، والحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في التنمية. ويُعدّ تحرّك أهالي قابس الذي عرف نسقا تصاعديا منذ سبتمبر2025 الحراك البيئي الأبرز خلال هذه السنة من حيث الاستمرارية، والحشد، والقدرة على التنظم.
وتعد سنة 2025 من السنوات التي عرفت زخما لافتا للحراك البيئي حيث عادت عديد القضايا إلى الواجهة، على غرار تحركات خليج المنستير وقابس ومنطقة صاحب الجبل بالهوارية في علاقة بالتلوث الصناعي، وهو ما يكشف عن الطابع البنيوي للحراك البيئي. فنحن إزاء حراك عالي الشدّة لكنه محدود الانتشار جغرافيا، قائم على ازمات محلية هيكلية، يعيد فيها الفاعلون أنفسهم التعبئة دون توسّع فعلي في قاعدة التعبئة أو تحوّلها إلى موجة وطنية جامعة.
ويرتبط هذا النسق المستقر للحراك البيئي، في جانب كبير منه، باستمرار التعامل مع القضايا البيئية كمشاكل تقنية ومحلية، لا كقضايا عدالة اجتماعية تشمل فضاءات ومناطق مختلفة تتشابه فيها الاشكاليات على اختلاف حدتها. مما يساهم في تشتت الحراك البيئي والحدّ من قدرته على بناء مطالب جامعة والتحوّل إلى حراك وطني واسع.
كما أن الهياكل الرسمية قد انتهجت سياسة قائمة على الاحتواء وإدارة الأزمة بدل المعالجة الجذرية في تعاملها مع القضايا ذات الشأن البيئي. وبرز ذلك من خلال تكثيف الزيارات الميدانية لتمثيليات عن السلطات الجهوية والمركزية للمناطق التي تعيش حالة من التوتر والاحتقان الشعبي على غرار زيارة وزير البيئة الى منطقة المسلان من ولاية المهدية وزيارات رئاسة الجمهورية لمناطق قصيبة المديوني وصيادة ولمطة بوحجر من ولاية المنستير ومنزل تميم ومناطق أخرى من ولاية نابل شهدت أزمات تلوّث حادّة بمياه الصرف الصحي. وبالتوازي، تمّ تخصيص عديد الاجتماعات على مستوى رئاسة الحكومة للتباحث في الشأن البيئي، إلى جانب إحداث لجان مختصّة للتعاطي مع بعض الملفات البيئية الحارقة على غرار أزمة التلوث في قابس. كما لوحظ ارتفاع ملحوظ في النشاط الاتصالي الرسمي، تمثّل في تكثيف بلاغات وزارة البيئة على منصّاتها الرقمية، لا سيما من خلال نشر مضامين تتعلّق بمشاريع تثمين النفايات، إنتاج الطاقة، وانشاء محطات معالجة ثلاثية لمياه الصرف الصحي. غير أنّ هذا التفاعل الرسمي بمختلف أشكاله وعلى الرغم من كثافته، ظلّ الهدف منه إتصاليا بالأساس مع ضعف في الجانب الاجرائي. حيث ان سلطة الاشراف ظلت تعمل على تهدئة الاحتقان وامتصاص الغضب الاجتماعي دون طرح إصلاحات هيكلية أو خيارات استراتيجية جديدة كفيلة بمعالجة عمق الأزمة البيئية وإعادة بناء الثقة في السياسات العمومية البيئية. وعليه، فإن الحراك البيئي لسنة 2025 يعكس توترًا اجتماعيًا بيئيًا مرتفعًا ومؤجَّل الانفجار، غير انه لم يتحوّل إلى موجة احتجاجية واسعة النطاق بسبب غياب ربط البيئة بقضايا الصحة والشغل والعدالة الاجتماعية وذلك باستثناء بعض التحركات التي نجحت في دمج البعد التنموي والشمولي لحقوق الانسان ضمن مطلبياتها على غرار حراك نحب نعيش بقابس وحراك يزينا بالرديف من الحوض المنجمي.
أسباب التحركات البيئية
مثّل الحق في ماء الشرب المطلب الرئيسي بنسبة 41% من مجموع التحركات البيئية، أي ما يعادل 175 تحرّكًا، مقابل 136 تحرّكًا من أجل الحق في بيئة سليمة و116 تحرّكًا ذا طابع فلاحي. وقد تزامن ارتفاع نسق التحركات مع انطلاق الموسم الصيف
ي وارتفاع درجات الحرارة، حيث تم تسجيل 219 تحرّكًا بين شهري ماي وأوت، أي ما يعادل 50% من مجمل التحركات، مع تسجيل 109 تحركا خلال شهر جوان وحده
أهم الولايات التي شهدت تحركات بيئية
تتصدر ولاية القيروان مشهد الحراك البيئي من حيث العدد، إذ سجّلت نحو 20%من مجموع التحركات البيئية بما يعادل 88 تحركًا، تمحور أغلبها حول المطالبة بالحق في ماء الشرب. ولا يعكس هذا الرقم المرتفع نسبيا وجود حراك بيئي بارز في الجهة، بل يكشف عن تكرار الاحتجاجات الصغيرة من حيث عدد الفاعلين والقصيرة في المدة والمتمركزة في مناطق متفرقة مما يجعل القيروان نموذجا للحراك البيئي الكثيف عدديًا والضعيف رمزيًا حيث ان البيئة ليست مطلبية أساسية ومحورية بذاتها بل أضحت جزءا لا يتجزأ من الأزمة المعيشية
اليومية ومحرارا لتدهور مؤشرات التنمية والبنية التحتية بصفة عامة. في المقابل، تأتي قابس في المركز الثاني بـ 58 تحركًا، وهي وإن جاءت أقل عددًا، فإنها تعتبر نموذجا للحراك البيئي ذو الرمزية العالية والصدى الاعلامي الوطني والعالمي لأنه يتمحور حول قضية بيئية متجذرة وموحدة وذاكرة احتجاجية ممتدة، ما يجعله قادرا على إنتاج خطاب جامع وتحقيق الحشد والتغيير المنشود.
أما قفصة، التي سجّلت 45 تحركًا، فيتميّز حراكها الاجتماعي بتداخل قضايا البيئة مع المطلبيات الاجتماعية الأخرى كالتشغيل والصحة والتنمية
الحق في ماء الشرب
شكّلت التحركات المطالبة بالحق في ماء الشرب 41% من مجمل التحركات الاجتماعية البيئية منها 37% بسبب الانقطاعات المتكررة لمياه الشرب تم تسجيلها في 20 ولاية، تصدّرتها ولايتا القيروان وقفصة. ويعود هذا إلى الانقطاعات المتكررة لمياه الشرب وصلت الى أكثر من أسبوع في بعض المناطق على غرار الأحياء العالية بقفصة واهتراء شبكات الصوناد بالإضافة الى سوء الحوكمة والفساد والمديونية التي تعاني منها المجامع المائية. حيث تشير المعطيات الرسمية إلى أن نسبة التزود بالماء الصالح للشرب بالوسط الريفي بلغت 95.3% على المستوى الوطني، مع تسجيل خمس ولايات دون هذا المعدل، وهي القيروان التي تتزود بنسبة 51.95 % عبر منظومة الهندسة الريفية، القصرين، سيدي بوزيد، قابس وبنزرت.
الحق في بيئة سليمة
مثّلت التحركات ضد التلوث الصناعي حوالي 14 % من مجموع التحركات البيئية، وكان أبرزها تحركات أهالي قابس منذ شهر سبتمبر 2025 للمطالبة بتفكيك الوحدات الملوّثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي، إلى جانب تحركات أهالي منطقة صاحب الجبل بالهوارية خلال شهري جويلية وأكتوبر احتجاجًا على التلوث الناتج عن معمل تصبير الطماطم.
كما مثّلت التحركات المطالبة بالحد من التلوث بالنفايات المنزلية والمصبات العشوائية حوالي 9% من مجموع التحركات، ومن أبرزها تحرك أهالي المسلان من ولاية المهدية في شهر فيفري 2025، واحتجاجات أهالي منطقة النخيلة بمعتمدية منزل بوزلفة من ولاية نابل ضد التلوث الناتج عن المصب المراقب بالجهة.
وفي السياق ذاته، تم رصد 19 تحركًا احتجاجيًا للحد من التلوث بمياه الصرف الصحي، كان أبرزها حراك معتمدية قصيبة المديوني من ولاية المنستير، حيث عادت أزمة التلوث إلى الواجهة خلال شهر جوان 2025، بعد تسجيل نسب مرتفعة من الملوثات الصناعية والمياه المستعملة المتأتية خاصة من معامل النسيج والتي تُصرف مباشرة في البحر دون معالجة. وقد أسفر ذلك عن نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، وإلحاق أضرار جسيمة بقطاع الصيد البحري، فضلًا عن حالة الاحتقان والغضب الاجتماعي التي شهدتها الجهة.
القطاع الفلاحي
مثّلت التحركات المرتبطة بالقطاع الفلاحي حوالي 27% من مجموع التحركات البيئية. وكان توفير مياه الري من أبرز المطالب، حيث تم رصد 26 تحركًا احتجاجيًا، تمحورت في أغلبها حول المطالبة بتوفير مياه الري بصفة منتظمة ودائمة، إلى جانب الدعوة إلى معالجة إشكاليات المديونية وسوء الحوكمة التي تعاني منها المجامع المائية الخاصة بمياه الري.
كما تم تسجيل 35 تحركًا احتجاجيًا شغليًا للمطالبة بتفعيل الاتفاقيات وتحسين ظروف العمل، وكان أبرزها التجمع المركزي لعمال وإطارات القطاع أمام وزارة الفلاحة، ضمن سلسلة من التحركات انطلقت بحمل “الشارة الحمراء” يوم 12 جوان 2025.
وتعددت المطالب الأخرى خلال السنة، من بينها النداءات المتكررة لمكافحة انتشار الحشرة القرمزية في عدد من الولايات على غرار نابل والقيروان، ونداءات الاستغاثة بسبب تفشي الجراد الصحراوي خاصة في ولاية القصرين. كما ساهمت درجات الحرارة المرتفعة، وانتشار الأعشاب الجافة، والنشاط البشري في اندلاع سلسلة من حرائق الغابات والمحاصيل الزراعية في عدة مناطق، من بينها باجة، طبرقة وجبل الفراشيش بسليانة. وقد أفادت مصالح الإدارة العامة للغابات بأن حرائق صيف 2025 تسببت في إتلاف نحو 4800 هكتارا من المساحات الغابية.
وفي سياق متصل، ورغم الصابة القياسية التي حققتها تونس في إنتاج زيت الزيتون، تم تسجيل عديد التحركات الفلاحية المطالبة بـتحديد سعر بيع الزيت، في ظل الانخفاض الملحوظ للأسعار بالمعاصر، حيث بلغ سعر اللتر من الزيت 8 د، مما أثار حالة من التذمر في صفوف الفلاحة
أشكال التحرك البيئي
تعددت أشكال التحركات البيئية وتنوعت بين ما هو رقمي وميداني، حيث شكّل النشاط في الفضاء الرقمي 63% من مجمل التحركات، مقابل 37% منها على الميدان. وبحسب طبيعة هذه التحركات، تصدرت النداءات عبر وسائل الإعلام المشهد بنسبة 53%، تلتها الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات في الطرقات وأمام مقرات الإدارات العمومية بنسبة 33%، في حين مثلت نداءات الاستغاثة والبيانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حوالي 10%، أما الأشكال الأخرى مثل غلق الطرقات، والاضرابات فشكلت نحو 4% من الحراك البيئي.