المدني والسياسي: أي علاقة في زمن الاستبداد؟
رهانات الاستقلالية، التقاطع، وبناء الفعل المشترك
وسام الصغير: باحث وناشط مدني وسياسي
تم تقديم هذه المداخلة خلال الندوة الوطنية: من الغضب الى التنظم، نحو مقاومة اجتماعية مدنية مشتركة يوم 24 جانفي 2026
الفراغ وأزمة التنظّم
يقول أنطونيو غرامشي في كتابه الشهير “دفاتر السجن”: “أزمة عصرنا تتمثل في أن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا الفراغ تظهر الأعراض المرضية”.
هذه ليست عبارة فلسفية للاستئناس أو للتجميل الخطابي، بل توصيف سياسي دقيق لما نعيشه اليوم، فحين يموت القديم ولا يولد الجديد لا يتحقق الاستقرار بل يحصل التشوّه، بما يجعل الخوف بديل عن الأمل والقمع بديلا عن السياسة والتفكك بديلا عن التنظّم، ويتحوّل المجتمع من قوة جماعية ممكنة إلى أفراد معزولين.
تونس اليوم تعيش هذا الفراغ بكل ثقله، ولسنا فقط أمام أزمة حكومة أو أزمة نظام سياسي، بل أمام أزمة في قدرة المجتمع ذاته على أن يكون فاعلا بما هي أزمة وساطة وتنظّم وتمثّل جماعي، وهو ما يجعل السؤال يتجاوز من يحكم إلى ما إذا كان المجتمع مازال قادرا على التعبير عن نفسه وعلى التنظّم وفرض ميزان قوى جديد.
من هنا تتجلى دلالة عنوان هذه الندوة “من الغضب إلى التنظّم”.
الغضب عميق وواسع ومعيش يومي، في الجهات وفي الأحياء وفي الإدارات وفي الجامعات وفي البيوت، لكنه غضب مشتّت قد يتحوّل إلى يأس أو هجرة أو انسحاب أو انفجارات معزولة، بينما التنظّم هو بالضبط عكس ذلك، إذ يحوّل الغضب من حالة نفسية إلى قوة اجتماعية، ومن ردّة فعل إلى فعل، ومن طاقة مهدورة إلى مشروع فاعل.
هنا بالضبط يعود سؤال العلاقة بين المدني والسياسي لا بوصفه مسألة تقنية بل بوصفه سؤالا وجوديا حول إمكانية بقائنا فاعلين، وحول كيفية حماية شروط الفعل الجماعي في زمن يراد فيه تفكيك المجتمع وتفتيته.
ملامح المرحلة: الاستبداد التفكيكي وتصفية الأجسام الوسيطة
من المهم أن نسمّي ما نعيشه باسمه، فنحن لا نعيش فقط استبدادا تقليديا، بل “استبدادا تفكيكيا” كما يقول المفكر المغربي المعاصر كمال عبد اللطيف في سياق نقده للأنظمة والمفاهيم المعرفية، استبدادا لا يكتفي بالقمع والمنع، بل يشتغل على تفكيك الوعي والذاكرة والمؤسسات، وحتى شروط السياسة نفسها.
لا يكتفي باعتقال الأفراد بل يستهدف الروابط نفسها، ولا يكتفي بإسكات الأصوات بل يفرغ المجال العام من المعنى، محوّلا المجتمع إلى سكان وملفات وأرقام وأفراد خائفين بلا معنى.
هذا الاستبداد لا يخاف الأحزاب وحدها ولا الجمعيات وحدها ولا النقابات وحدها بل يخاف المجتمع عندما يصبح مجتمعا متماسكا، حين يمتلك أجساما وسيطة تولد داخل الشبكات وفضاءات النقاش التي تنتج الفعل الجماعي، ولذلك يأتي الاستهداف شاملا للأحزاب والجمعيات والنقابيين والمحامين والطلبة والصحافة والقضاة والمجموعات الشبابية… وكل الائتلافات، لا بسبب تشابههم بل لأن وجودهم نفسه يمنع احتكار الدولة للمعنى والقرار، وحينها تصبح الرسالة واضحة بأن التنظّم خطر والسياسة تهمة والتضامن شبهة.
وهنا يتحوّل سؤال المدني والسياسي إلى سؤال بقاء، لأن المنظومة تراهن على العزل والتشويه والإنهاك، وتراهن على أن يبقى كل طرف معزولا حتى يستهدف وحده، وأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نقبل بهذه القاعدة وأن نعيد إنتاج العزل داخل صفوفنا.
أي علاقة نحتاج في زمن العزل؟ :الاستقلالية والتقاطع والتضامن
حين يصبح سؤال المدني والسياسي سؤال بقاء، لا يعود النقاش حول العلاقة بينهما نقاش رسم الحدود وتوزيع الصلاحيات، بل نقاش شروط الفعل الجماعي نفسها، لأن ما يستهدف اليوم ليس فاعلا بعينه بل إمكانية الفعل من أساسها، ولذلك فإن العلاقة التي نحتاجها ليست علاقة ذوبان ولا علاقة قطيعة، بل علاقة قادرة على الجمع بين الاستقلالية باعتبارها شرط حماية الفضاءات، والتقاطعات باعتبارها شرط بناء ميزان قوى، والتضامن باعتباره شرط الصمود والتراكم، بما يجعل من هذه الثلاثية منظومة واحدة لإعادة بناء المجتمع كقوة فاعلة.
في هذا السياق تظهر اتجاهات متقابلة يحكمها منطقان كلاهما يقود إلى الضعف، اتجاه يدعو إلى الفصل التام بين المدني والسياسي بدعوى النقاء أو الحماية، واتجاه مقابل يدعو إلى الذوبان الكامل باعتبار أن الصراع سياسي في جوهره، غير أن الفصل التام يعزل ويفرغ الفعل المدني من معناه السياسي، ويحوّل القوى إلى كيانات معزولة سهلة الاستهداف، بينما الذوبان الكامل يربك الأدوار ويضرب المصداقية ويضيّق القاعدة الاجتماعية ويسهّل التشويه والقمع.
ما نحتاجه ليس هذا ولا ذاك، بل علاقة تقوم على ثلاث ركائز متداخلة لا منفصلة، الاستقلالية والتقاطع والتضامن.
فالاستقلالية هنا ليست حيادا ولا انسحابا من الصراع، بل هي سؤال سياسي واضح، من يحدد الأولويات، من يخدم من، ومن يتبع من، وهي تعني أن المدني لا يتحوّل إلى ذراع حزبي، وأن السياسي لا يحوّل المجتمع إلى خزان تعبئة ظرفي، لكنها لا تعني أبدا أن المدني فوق المعركة، لأن المدني في جوهره جزء من الصراع الاجتماعي، والسياسي بما هو صراع حول الحقوق والكرامة والعدالة والعلاقة مع الدولة. وأخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو ترويض المجتمع المدني وتحويله إلى فاعل تقني يشتغل على المشاريع والتقارير والتدريبات والمساعدات بما يساعد الناس على التأقلم، بدل أن ينظّمهم لمواجهة جذور الأزمة، وفي المقابل فإن ذوبانه في السياسي يخلق كارثة أخرى، إذ يضرب الثقة ويحصره في دوائر ضيقة ويسهّل ضربه جماعيا.
أما التقاطع فهو قلب المعركة لأنه يعني أن المدني لا يكتفي بالتوصيف والتنديد، بل يشتغل على تحويل القضايا إلى رأي عام وقوة ضغط، وأن السياسي لا يكتفي بالبيانات والمواقف، بل يرتبط بمعارك ملموسة وبحاجات الناس وبأشكال تنظيم حقيقية، فالدفاع عن الحريات ليس ملفا حقوقيا فقط، بل معركة سياسية حول طبيعة الدولة، والدفاع عن الموقوفين ليس تعاطفا، بل دفاع عن شروط السياسة نفسها، والعدالة الاجتماعية ليست مطلبا قطاعيا، بل قلب الصراع على الشرعية، والتقاطع يعني أن تخاض هذه المعارك بوصفها معارك مشتركة، مع تقسيم أدوار مدروس، المدني يفتح مساحات والسياسي يفتح آفاقا والنقابي يبني قدرة تعبئة والشباب والطلبة يخلقون ديناميكيات جديدة، بحيث لا أحد يعوّض أحدا ولا أحد يلغي أحدا.
أما التضامن ففي زمن الاستبداد ليس قيمة أخلاقية، بل شرط بقاء، لأن المنظومة تراهن على أن يتردّد كل طرف في الدفاع عن الآخر، وبذلك يُضرب الجميع واحدا واحدا، هنا وجب أن يصبح التضامن قاعدة سياسية، أي أن تفهم كل ضربة لأي جسم وسيط بوصفها ضربة للجميع، وكل ملاحقة لأي ناشط بوصفها رسالة للمجتمع كله، وهو ما يجعل التضامن ممارسة لا شعارا، حضورا في المعارك وإسنادا قانونيا، ودعما إعلاميا وردود فعل مشتركة، لأن الدفاع عن الآخر هو في العمق دفاع عن شروط وجودنا وديمومة بقائنا جميعا كقوة فاعلة.
أهمية التشبيك: من التجربة التونسية قبل 2011 إلى نضالات الشعوب في العالم
لم تصمد تونس قبل 2011 بقوة طرف واحد، لا بحزب ولا جمعية ولا نقابة ولا حركة شبابية منعزلة، بل بما راكمته القوى الحيّة في المجتمع من علاقات وتقاطعات وتضامن. الذي واجه الاستبداد لم يكن هياكل معزولة، بل نسيجا اجتماعيا حيّا تشابكت فيه الأدوار والمسارات. اشتغل نظام بن علي طويلا على التفكيك والعزل، لكنه لم ينجح في القضاء على منطق التقاطع، محامون يدافعون عن نشطاء (محاكمات أحداث الحوض المنجمي)، جمعيات تحتضن، تسند وتدعم عائلات المعتقلين (قضية طلبة منوبة سنة 2009)، نقابيون يفتحون معارك اجتماعية (بما ترمز له بطحاء محمد علي)، أحزاب تكون شبكات دعم (اجتماعات وندوات المساندة بمقرات الديمقراطي التقدمي والتكتل والتجديد…)، وحركة طلابية لعبت دورا طلائعيا في إبقاء جذوة الاحتجاج والتنظّم حيّة متّقدة داخل الجامعة وخارجها (محاور نضال الحركة الطلابية وارتباطها بالأحداث السياسية والاجتماعية العامة).
لم يكن هناك فصل واضح بين المدني والسياسي، بل كان هنالك تداخل دائم وصراع وتعاون رغم القمع، وهو ما جعل لحظة الانفجار لا تفسر فقط كلحظة غضب، بل كلحظة اختبار لإمكانيات التحوّل إلى فعل جماعي.
وما عاشته تونس قبل 2011 ليس استثناءا، بل يندرج ضمن منطق أوسع كشفته تجارب عديدة في العالم.
تجارب عديدة تبيّن أن الاستبداد لا يسقط عندما تبقى القوى المجتمعية متفرقة، كل على حدة، بل عندما تتحوّل إلى نسيج واحد.
تُجسّد تجربة “تضامن” في بولندا كيف يمكن لإضراب عمّالي أن يتحوّل إلى قوة تغيير حين يتجاوز المطالب الفئوية ليتحول إلى فضاء مجتمعيا جامع، فبعد القمع لم تنهر الحركة، بل أعادت تشكيل نفسها كشبكة مدنية واسعة ضمّت العمّال والطلبة والمثقفين والكنيسة، فبنت صمودا طويل النفس أفقد النظام احتكاره للمجتمع. بهذا الالتحام بين النقابي والمدني والسياسي لم تعد المواجهة مجرّد احتجاج، بل مسارا تاريخيا فرض الانتقال وانتهى بتفكيك النظام.
في تجربة الشيلي لم يكن كسر نظام بينوشيه نتيجة فعل سياسي معزول ولا حراك مدني منفصل، بل ثمرة التقاء عضوي بين المجالين. الشبكات الحقوقية والنقابية والثقافية بنت الصمود الاجتماعي، كسرت الخوف، وحفظت الذاكرة ومنحت المقاومة شرعيتها الأخلاقية، بينما تولّت القوى السياسية تحويل هذا الصمود إلى مشروع تغيير واضح قائم على توحيد الحد الأدنى من المطالب واستثمار ميزان القوى والفرص داخل النظام نفسه. بهذا التكامل انتقلت المقاومة من مجرد احتجاج إلى مسار تاريخي منظّم استطاع أن يجعل المجتمع أوسع من الديكتاتورية، ويفرض نهاية النظام من داخل أدواته.
أما تجربة جنوب أفريقيا فتُظهر أن هزيمة نظام الفصل العنصري لم تكن نتيجة تراكم احتجاجات بل ثمرة تشكّل قوة مجتمعية شاملة التقت فيها الشرعية المدنية والقوة النقابية والديناميكية الشبابية والأفق السياسي في مسار طويل النفس. بهذا التكامل لم يُستنزف النظام فقط بل جُرّد تدريجيا من المجتمع ذاته، فصار التفاوض اعترافا بانهيار شرعيته، وانتهى المسار بتفكيك بنية الاستبداد لا مجرد تغيير واجهته.
الخلاصة بسيطة، الاستبداد لا يُهزم بأطراف معزولة، بل عندما تتحوّل المعارضة إلى مجتمع حيّ، وحين يصبح التضامن قاعدة، والتقاطع قوة لا استثناء.
من الغضب إلى “نحن”
نحن اليوم لسنا في لحظة نقاشات شكلية، نحن في لحظة يراد فيها إلغاء السياسة بوصفها فعلا جماعيا، وإلغاء التنظّم بوصفه حقا، وإلغاء الوساطة بوصفها ضمانة، فالمنظومة تراهن على أن نبقى أفرادا خائفين ومنهكين ومعزولين، وأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسهّل عليها ذلك، بالتخوين، بالمزايدات، بالمنافسة على “النقاء”، وبالانسحاب من التضامن.
الاستقلالية لا تعني الانسحاب، والتقاطع لا يعني الذوبان أو التماهي، والتضامن ليس مجاملة أخلاقية، بل شرط وجود وبقاء للقوى الديمقراطية والتقدمية والاجتماعية اليوم. لذلك نحن مطالبون بتحويل المعركة من مواجهات متفرقة إلى معركة مجتمع: معركة حرية وعدالة وكرامة، معركة ضد القمع وضد التفقير، وضد تفكيك الدولة والمجتمع في آن واحد.
هنا لا يعود السؤال: هل اتفقنا نظريًا؟ بل: هل نحن قادرون على بناء أرضية مشتركة؟ هل نحن قادرون على بناء ميزان قوى؟ هل نحن قادرون على تحويل الغضب إلى تنظيم؟ وهل نحن قادرون على خلق “نحن” جماعية في مواجهة سلطة لا تريد لنا إلا أن نبقى أفرادا معزولين؟
لأنّه هنا فقط يمكن أن يولد الجديد، وهنا فقط يمكن كسر الفراغ الذي تحدّث عنه غرامشي قبل أن يستقرّ كمرض دائم.
هنا فقط يمكن أن يولد الجديد.