قراءة في جدلیة الاستھداف السلطوي وآلیات المقاومة المدنیة (1896 – 2025)
ضحى يحياوي باحثة وناشطة مدنية
تم تقديم هذه المداخلة خلال الندوة الوطنية: من الغضب الى التنظم، نحو مقاومة اجتماعية مدنية مشتركة يوم 24 جانفي 2026
https://youtu.be/eCXsACYOJx8
مقدمة: في ماھیة الفعل المدني التونسي
لم یكن المجتمع المدني في تونس، عبر سیرورتھ التاریخیة الممتدة، مجرد ھیاكل قانونیة جافة أو كیانات إداریة تؤدي أدواراً وظیفیة محدودة، بل مَثّل منذ إرھاصاتھ الأولى في أواخر القرن التاسع عشر “الجنین الأول” لإنتاج الوعي الوطني وتشكیل ملامح الشخصیة التونسیة الحدیثة. إن تأمل مسار ھذا الفعل یكشف عن كونھ خط الدفاع المتقدم عن الفضاء العام، والضامن الحقیقي لعدم ابتلاع الدولة للفعل المواطني، حیث ولد في البدایة من رحم الحاجة إلى التمایز عن ھیاكل “الآخر” الاستعماري، ثم من الحاجة إلى لجم “تغول” السلطة لاحقاً.
في البدایة نشأت جمعیات ذات صبغة ثقافیة وتعلیمیة و كانت تتخفى وراء الأدب والفكر لتمریر مشاریع التحرر و توسیع دائرة الرفض و ھیكلتھا ، و ظل العمل المدني یخوض معركة وجودیة تدور رحاھا في مربع الاستقلالیة. فلم یكن الصراع مع السلطات المتعاقبة صراعاً على “الحصص”، بل كان صراعاً حول “الحریة” كقیمة ؛ إذ حاولت الأنظمة المتعاقبة دوماً اختزال دور المجتمع المدني في مجرد “دیكور دیمقراطي” أو ملحق بروتوكولي، وسعت بآلیات ناعمة وأخرى قمعیة إلى تدجین ھیاكلھ وتحویلھا إلى أدوات للتعبئة الموالیة.
والیوم، وفي ظل التحولات الجذریة التي یشھدھا السیاق السیاسي التونسي، یواجھ العمل المدني أخطر فصول الاستھداف عبر انتقالھ من مربع “التضییق الإداري” إلى مربع “التجریم الممنھج”. فمحاصرة الفضاء المدني حالیاً لیست مجرد إجراءات استثنائیة عابرة، بل ھي محاولة لتفكیك الإرث التراكمي لقرن من النضال المدني، وإعادة صیاغة العلاقة بین الحاكم والمحكوم خارج أطر الوساطة الاجتماعیة والحقوقیة. من ھنا، تصبح قراءة واقع المجتمع المدني التونسي الیوم قراءة في “صمود الفكرة” أمام آلة التجریم، وبحثاً في قدرة ھذا “الجسم الوسیط” على البقاء كحصن أخیر یحمي ما تبقى من الفضاء العام.
الجذور التأسیسیة.. الفعل المدني كفعل تحرر وطني
تأسست اللبنات الأولى للمجتمع المدني التونسي في مناخ من الریبة الاستعماریة. فمع ظھور “الجمعیة الخلدونیة” (1896) و جمعیة قدماء المدرسة الصادقیة بعدھا ، واجھ المستعمر الفرنسي معضلة بنیویة؛ إذ كان یرجو من ھذه الفضاءات أن تكون جسوراً لـ “فرنسة” النخب، فإذ بھا تتحول إلى محاضن لمناھضة الاستعمار الفرنسي. فقد أثبتت “حركة الشباب التونسي” (1907) أن العمل المدني كان سابقاً للعمل الحزبي المنظم، حیث استطاع المثقف التونسي تطویع الأشكال التنظیمیة الحدیثة لتأكید الھویة الوطنیة (عبر الإصرار على تسمیات مثل “التونسي” و”الإسلامي”) لخلق تمایز جذري عن الاستعمار. لقد كان العمل المدني حینھا ھو “السیاسة بمعناھا العمیق” قبل أن تتبلور الأحزاب وساھم بشكل كبیر في تشكیل الوعي الوطني و كان شكلاً “جنینیاً” من أشكال المقاومة المدنیة عبر دورھا التحریضي والتعبوي الذي مھد لاحقاً لظھور المقاومة السیاسیة وحتى المسلحة في تونس للإطاحة بالاستعمار الفرنسي.
من الاستقلال إلى “الحزب الواحد”.. استراتیجیات التدجین
عقب بناء الدولة الوطنیة، دخل المجتمع المدني في صراع مع “ابویة الحزب الواحد “. ففي عھد الحبیب بورقیبة، سادت عقیدة “وحدة الدولة والحزب والمجتمع”، مما جعل من الجمعیات مجرد أجھزة تعبویة تابعة للسلطة. سعى النظام بورقیبة الى اقصاء أي نفَس معارض والى احتواء وتحیید أي ھیكل یمكن أن یكون “سلطة مضادة”. و تحت شعار: “بناء الدولة الوطنیة والتخلص من إرث الاستعمار”، قمع كل من تجرأ على نقد الانحرافات السلطویة للنظام وانطلق العمل على تدجین المجتمع المدني وتحویل الھیئات التي تمكنت منھا السلطة الى ملحقات للحزب الحاكم وأجھزة تابعة للدولة. ولم تستعد الحیویة المدنیة أنفاسھا إلا مع تأسیس الرابطة التونسیة للدفاع عن حقوق الإنسان (1977)، التي مثلت أول تمرد حقوقي مھیكل ضد الانحراف السلطوي. كما دخل الاتحاد العام التونسي للشغل في صدام عنیف ( 1978) مع السلطة انتھى بمقتل العشرات (وربما المئات، تتضارب الأرقام ولیس ھناك الى الیوم تحقیق رسمي في الأمر) من النقابیین.ات، ثم أعقبت ذلك موجة من القمع والمحاكمات الصوریة والأحكام القاسیة.
ومع صعود نظام زین العابدین بن علي، كان تعامل السلطة مع المجتمع المدني مختلفاً عن طریقة بورقیبة، فعوضاً عن الاحتواء اعتمد إستراتیجیة تقوم على تكتیكین قد یبدوان متناقضین لكنھما یكْملان بعضھما البعض: الإغراق وتجفیف المنابع. اعتمد النظام آنذاك تكتیك “الإغراق” عبر تفریخ جمعیات موالیة بھدف تلمیع صورة النظام مقابل تمویل سخي من خزینة الدولة ومن ھبات رجال الأعمال الأوفیاء للسلطة مقابل محاصرة الجمعیات المستقلة مالیاً وإداریاً و التي تشبثت باستقلالیتھا وناضلت للدفاع عن الحریات فحوصرت من كل الجھات: كانت تُحرم من التمویل العمومي ومن تنظیم الاجتماعات وحتى من اكتراء مقرات لفروعھا ووصل الأمر إلى حد الانقلاب على الھیئات المنتخبة (نقابة الصحفیین.ات 2009). لقد تحول المجتمع المدني في تلك الحقبة إلى “رئة” تتنفس من خلالھا المعارضة السیاسیة المحاصرة، مما جعل النظام ینظر إلیھ كـ “حصان طروادة” یجب تدمیره نظرا لما كان یساھم بھ في تخفیف حدة القمع عن المعارضین.ات و حمایتھم حتى جزئیا من بطش النظام.
ما بعد 25 جویلیة.. من التضییق إلى “تجریم الفعل التضامني”
إذا كانت المرحلة التاریخیة في تونس قد عرفت محاولات “تدجین” أو “خنق” للمجتمع المدني، فإن المرحلة التي أعقبت إجراءات 25 جویلیة 2021 قد دشنت حقبة جدیدة اخطر و اعنف تتسم بـ “تنسیق عملیة التجریم”. لم یعد الھدف مجرد السیطرة على الجمعیات، بل تحویل الفعل المدني المستقل إلى “جرم قانوني” یقع تحت طائلة الملاحقة الجزائیة.
لم یعد الحصار المفروض على العمل المدني في تونس یكتفي بأسالیب التضییق الإداري أو التشویھ الإعلامي، بل دخل مرحلة أكثر رادیكالیة تقوم على إعادة تعریف الفعل المدني ذاتھ كجریمة. فمنذ إجراءات 25 جویلیة 2021، لم یعد التضامن، ولا الدفاع عن الحقوق، ولا حتى المرافقة الإنسانیة أفعالًا مشروعة تُقاس بغایاتھا الإنسانیة، بل أصبحت تُف َّ كك وتُعاد صیاغتھا داخل منطق أمني-جزائي یعتبر كل فعل مستقل تھدیدًا محتملًا للدولة و امنھا . ھكذا انتقلنا من منطق الاحتواء إلى منطق العقاب، ومن الشكّ في المجتمع المدني إلى تجریمھ الممنھج.
في ھذا السیاق، لم تعد الترسانة القانونیة مجرد إطار تنظیمي، بل تحوّلت إلى أداة سیاسیة لتصفیة الفعل المدني. فقد أعُید توظیف قانون 2015 المتعلق بمكافحة الإرھاب ومنع غسل الأموال خارج مقاصده الأصلیة، لیُستعمل في ملاحقة ناشطین.ات ومدافعین.ات عن حقوق الإنسان، عبر توسیع مفھوم “الدعم” و“المشاركة” و“التسھیل”. وبات تقدیم المساعدة الإنسانیة، أو العمل مع فئات مستھدفة رسمیًا بالخطاب الأمني، یُقارب بمنطق الاشتباه في “تمویل الإرھاب” أو “توفیر الغطاء اللوجستي”، في خلط خطیر بین الجریمة المنظمة والعمل التضامني الإنساني، یُفرغ القانون من بعده الوقائي ویحوّلھ إلى سلاح ردعي ضد معارضي.ات سیاسات الدولة اللانسانیة.
عسكرة الفعل التضامني ومقصلة قانون مكافحة الإرھاب لم تعد قاعات المحاكم ساحة للفصل في الخصومات القانونیة، بل تحولت إلى منابر لمحاكمة “الضمیر الإنساني”. شھدت الفترة الأخیرة تصعیداً غیر مسبوق ضد الجمعیات العاملة في الخطوط الأمامیة في ملفات الھجرة، واللجوء، والحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة. لقد تم استخدام بـ القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرھاب ومنع غسل الأموال في صراع السلطة مع المجتمع المدني؛ فبموجب فصولھ الفضفاضة، تحولت أعمال الإغاثة الإنسانیة وتقدیم السند للمھاجرین.ات واللاجئین.ات إلى تھم ترتقي لمستوى “تبییض الأموال” أو “تكوین وفاق للاعتداء على الأمن العام”. إن الھدف من ھذه المحاكمات لیس تطبیق القانون، بل ضرب قیمة “التضامن” في مقتل، وتجرید المجتمع من وسائطھ الإنسانیة، لیبقى الفرد وحیداً في مواجھة خطاب أمني عنصري یوصم كل فعل تضامني بالشبھة والعمالة.
إلى جانب ھذا القانون، یلوح في الأفق مشروع تنقیح المرسوم 88 المنظم للجمعیات كتھدید دائم ومقصود، یُستعمل للضغط السیاسي فمجرد التلویح بإعادة إخضاع الجمعیات لمنطق الترخیص المسبق، أو تشدید الرقابة على مصادر تمویلھا و منح السلطة التنفیذیة حق حل الجمعیات إداریاً، یعكس رغبة واضحة في نسف أحد أھم مكاسب ما بعد الثورة: استقلالیة الفضاء الجمعیاتي الھدف منھ طبعا إنھاء الدور الرقابي للجمعیات على أجھزة الدولة ة التي بدل أن تحاسب نفسھا على فشلھا الاجتماعي والاقتصادي و السیاسي، تختار تحمیل المجتمع المدني مسؤولیة ھذا الفشل، وتقدیمھ كجسم دخیل، مشبوه، عمیل ومھدّد لـ“السیادة”، في محاولة لتجریده من شرعیتھ الرمزیة والأخلاقیة و یرافق ھذا خطاب “شیطنة التمویل الأجنبي”، الذي یُستخدم كأداة لتشویھ سمعة المنظمات الحقوقیة، وتصویرھا ككیانات مھددة للسیادة الوطنیة لتبریر إعدامھا قانونیاً .
ولا یقلّ خطورة عن ذلك العودة المكثفة إلى الفصل 96 من المجلة الجزائیة، الذي یُستعمل الیوم كأداة مرنة لتجریم المدافعین.ات عن حقوق الإنسان وشركائھم,ھن، عبر تھمة “المشاركة” أو “استغلال الصفة”. ھذا الفصل، الذي وُضع في الأصل لمكافحة الفساد الإداري، تحوّل إلى مظلةّ قانونیة فضفاضة تُدرج تحتھا أفعال لا تمت بصلة للفساد، بل تندرج ضمن العمل الحقوقي أو التضامني. وبھذا التوسّع المتعمّد في التأویل، یصبح كل تنسیق، وكل شراكة، وكل عمل جماعي مستقل، قابلاً لإعادة توصیفھ كجریمة، ویُختزل العمل المدني في “شبكة مشتبھ بھا”.
یبرز ھنا الفصل 96 من المجلة الجزائیة كف ٍّ خ ینصب للمدافعین,ات عن حقوق الإنسان وشركائھم,ھن من الموظفین.ات العمومیین، حیث یتم إحالتھم,ھن بتھمة “المشاركة” في تحقیق فائدة غیر قانونیة للإدارة أو للغیر. إن ھذه الإحالات، التي تتكئ على تھمة “المشاركة” الفضفاضة، تھدف إلى فك الارتباط بین المجتمع المدني والفاعلین,ات داخل مؤسسات الدولة، وضرب أي جھد تشاركي یھدف لإصلاح السیاسات العامة. إنھا رغبة صریحة في إرساء علاقة عمودیة مباشرة بین “الفرد” و”السلطة”، خالیة من أي “عقل ناقد” أو وسیط مدني قادر على التعبئة والاحتجاج، لتتحول الدولة إلى فضاء أصم لا صوت فیھ إلا صدى إرادة الحاكم
إن خطورة ھذا المسار لا تكمن فقط في الإیقافات أو الأحكام القضائیة، بل في الأثر الردعي الرمزي الذي یُنتجھ. فحین یُحال المدافعون,ات عن حقوق الإنسان على قوانین الإرھاب، وحین یُھ َّ دد المجتمع المدني بحلّ جمعیاتھ أو تجفیف موارده، وحین یُستعمل القانون لإنتاج الخوف لا العدالة، فإن الرسالة تصبح واضحة: لا مكان لفعل جماعي مستقل خارج منطق الولاء أو الصمت. ھكذا یُدفع الأفراد إلى الانسحاب، وتُكسر شبكات التضامن، ویُعاد إنتاج مجتمع مفكك، بلا وسائط، وبلا قدرة على المقاومة السلمیة.
آلیات المقاومة
تتطلب مقاومة الحصار المضروب على الفضاء المدني الیوم صیاغة استراتیجیة نضالیة لا تكتفي برد الفعل، بل تبادر إلى ترسیخ والدفاع عن القیم التي تسعى السلطة الى تجریمھا الیوم بشكل كاف ؛ وتبدأ ھذه الآلیات بـ “المقاومة القانونیة”،من خلال تشكیل جبھات حقوقیة تضع النصوص الزجریة تحت مجھر النقد القانوني ، وتحول قاعات المحاكم إلى منابر لتعریة سیاسات التخوین وتوثیق خروقات السلطة، مما یرفع الكلفة السیاسیة والحقوقیة لكل محاكمة “للفعل التضامني”.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز آلیة “التجذر الاجتماعي” كأھم حصون المقاومة؛ حیث یتعین على المنظمات مغادرة “مربع النخب المركزیة” والتوجھ الى قضایا الھامش والجھات، لتحویل الدفاع عن الفعل المدني إلى قضیة شعبیة تتقاطع مع الحق في الماء، والصحة، والشغل، والكرامة، وبذلك یصبح “الحاضن الشعبي” ھو الكفیل بصد محاولات الشیطنة والھرسلة. كما تفرض المرحلة تبني آلیة “التشبیك العضوي المرن”، التي تستبدل الھیاكل الھرمیة الثقیلة التي یسھل خنقھا إداریاً عبر مشروع تنقیح المرسوم 88، بتنسیقیات میدانیة وأفقیة عابرة للقطاعات، تعتمد “القیادة الجماعیة وتدویر الأدوار” لضمان استمراریة الفعل حتى في حال استھداف الصف الأول من الناشطین.ات.
ولا تكتمل ھذه الآلیات إلا بـ “السیادة الموردیة والرقمیة”، عبر ابتكار صیغ للتمویل الشعبي التضامني لكسر ابتزاز تھمة “التمویل الأجنبي”، واعتماد حملات رقمیة نظیرة . إنھا باختصار عملیة “تحصین شاملة” تھدف إلى تحویل المجتمع المدني من كیان “ممنوح” من السلطة إلى “قوة مضادة” تستمد مشروعیتھا من قدرتھا على البقاء والاستمرار و التأثیر على موازین القوى رغم المراسیم الزجریة و التغول السلطوي.