(العربية) الأيادي المرتعشة لا تقوى لا على البناء و لا على التشييد… و لا على إحلال العدالة

بــــــــــــــــيــــــــــان

الأيادي المرتعشة لا تقوى لا على البناء و لا على التشييد… و لا على إحلال العدالة

مثــــــلما كان متوقعا، أصدرت الدائرة الجنائية المتخصصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس فجر يوم الجمعة 28 نوفمبر 2025 حكمها النهائي في القضية عــ44250ـــدد المعروفة إعلاميا  بقضية التآمر على أمن الدولة؛ حكم جازى من جهة بالنقض و القضاء بعدم سماع الدعوى في حق أحد المتهمين المحكوم ابتدائيا بالسجن مدة عشرة أعوام و الذي ثابر في الرضوخ و تقديم شتى فروض الطاعة و الولاء، و من جهة ثانية أمعن في زجر و تشديد عقاب من استبسل و اعتصم بمواقفه المناوئة للسلطة و صمد في وجه شتى صنوف قمعها و هرسلتها و تخوينها و خاض مختلف الأشكال النضالية المشروعة لفضحها و إثبات براءته من التهم التي يواجهها.

و لم تشذ المحاكمة في هذا الطور الاستئنافي عما شهدته خلال الطورين الاستقرائي و الابتدائي من قرارات قضائية و إدارية موغلة في العبث و التسلط و من تجاوزات و خروقات شكلية و إجرائية ضربت في مقتل جميع المقومات البديهية للمحاكمة العادلة على غرار إصرار المحكمة المتعهدة بعقد الجلسة خلف أبواب شبه موصدة في وجه أغلب الصحفيين و نشطاء المجتمع المدني و السياسي و العديد من الملاحظين و أفراد عائلات العديد من الموقوفين، أو سلبيتها الجلية إزاء العسكرة المكثفة و غير المبررة لقاعة الجلسة و لمحيطها و للظروف المادية و اللوجستية الرثة التي انعقدت خلالها المحاكمة التي استحالت إلى محاكمة صورية باهتة لا شيء يميزها غير التعسف و اللامبالاة، أو استماتتها و مختلف المسؤولين القضائيين ذوي النظر بمحكمة الاستئناف بتونس في مواصلة خرق أحكام الفصلين 141 مكرر و 206 من مجلة الإجراءات الجزائية و إصرارهم غير المبرر و غير الشرعي على محاكمة الموقوفين عن بعد من سجون إيقافهم و حرمانهم من الحضور جلسة للذود عن مصالحهم و إثبات براءتهم على الرغم من تهاوي و تجرد الدفع الذي تمسكت به وزارة العدل من وجود خطر ملم داهم يحول دون إحضار الموقوفين لقاعة الجلسة، و كذلك على غرار ما أقدمت عليه هيئة المحكمة في سابقة لم يشهد لها تاريخ المحاكمات السياسية مثيلا في تونس أوفي غيرها من الدول الرازحة تحت نير الاستبداد و التسلط من رفض لجميع طلبات التأخير المقدمة لها من لسان الدفاع و إصرارها العبثي على فصل قضية بهذا الحجم من حيث عدد أوراق الملف و عدد المتهمين و عدد التهم الموجهة عليهم و عدد الأسانيد المادية و القانونية المعتمدة في ذلك فقط في جلستين لا ثالث لهما و في أقل من أسبوعين من الزمن؛ الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا من زاوية أن المحكمة التي أصدرت هذا الحكم الجنائي النهائي كانت سليبة الإرادة و مفعول بها في كامل هذا المسار القضائي، و أن كامل هذه المحاكمة لم تكن إلا تكريسا مفضوحا لإرادة سياسية انتقامية تهدف إلى تصفية مختلف خصوم السلطة السياسية القائمة، و أن الحكم المذكور كانت قد أصدرته سلفا “محكمة التاريخ” التي بشّر بها السيد رئيس و قد كان جاهزا سلفا منذ التصريح العدائي و الغير مسؤول لرئيس الجمهورية يوم 22 فيفري 2023 و الذي توعد من خلاله كل من يحاول تبرئة المتهمين من معارضيه المحالين على القضاء و اعتبره بمثابة الشريك لهم. و ليس أدل على ذلك إلا الطريقة البوليسية الفجّة التي وقع بها إيقاف المعتقلة السياسية المحكومة في هذه القضية شيماء بن عيسى أو الطريقة البوليسية الاستعراضية التي وقعت بها محاصرة منزل المعتقل السياسي و المحامي المحكوم في ذات القضية الأستاذ العياشي الهمامي قبل اعتقاله و اقتياده إلى سجن الإيقاف

إن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، و إذ يلفت انتباه الرأي العام الوطني و الدولي إلى مواقفه الثابتة ذات العلاقة بملف قضية التآمر على أمن الدولة  و التي اعتبره من خلالها توضيفا صريحا و ممنهجا لمختلف أجهزة الدولة و على رأسها الجهاز القضائي من أجل الإجهاز على مختلف خصوم السلطة السياسيين و المدنيين و من أجل مزيد إشاعة مشاعر الخوف و اليأس و فقدان الثقة في جدوى الفعلين المدني و السياسي بين مختلف مكونات المجتمع مستعينا في ذلك ببعض المنابر الإعلامية التي نجح في تدجينها و ببعض الشخصيات الدعائية المعطوبة و التي لم تحترف طوال مسيرتها سوى سلوكات التذيل و التزلف للبلاط و خطابات التفرقة و السب و التخوين و رمي خصوم السلطة بالعمالة و الاستقواء بالأجنبي ، و إذ يجدد التذكير بالمناخ السياسي العام الذي تتنزل فيه هذه المحاكمة السياسية التصفوية و ما ميزه من تضييق غير مسبوق على الأنشطة الحزبية و قمع أمني و قضائي متصاعد لمختلف الحقوق و الحريات العامة و الفردية و حملة مسعورة شنها النظام على أبرز منظمات و فعاليات المجتمع المدني و البعض من قياداتها و ما نتج عنها من إثارة العديد من التتبعات الجزائية و من أذون قضائية تقضي بالتعليق المؤقت لأنشطتها، و إذ يجدد التنبيه أيضا إلى أن هذا المناخ المأزوم لا يعدو أن يكون إلا نتيجة حتمية للفشل الذريع الذي ما انفكت تواجهه السلطة في حلحلة الأزمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي ترزح تحتها البلاد و التي بان بالدليل القاطع أن مجرد تذليلها أو التخفيف من وطأتها لا يمكن أن يكون عبر الشعارات الشعبوية الخاوية و لا عبر خطابات التخوين و الرمي المتكرر و الممجوج بالعمالة و الاستقواء بالأجنبي و غيرها من سرديات العجز و التنصل من المسؤولية و لا عبر سياسات تصفية الخصوم و تدجين مؤسسات الدولة و الانفراد بالرأي و التصور و القرار، فــــإنه:

  • يعبر عن مطلق تضامنه المبدئي و اللامشروط مع جميع المعتقلين السياسيين و مع عائلاتهم و يشد على أياديهم جميعا إلى مزيد الصمود في وجه مختلف الأحكام و التتبعات القضائية التصفوية الجائرة التي تستهدفهم إلى حين اندحار أسبابها و تجلي زيف و خواء التهم الموجهة إليهم و ظفرهم بحريتهم باستحقاق و بقوة القانون
  • يجدد التذكير بأن الحكم الجنائي الاستئنافي عــ44255ــدد الصادر بتاريخ 28/11/2025 لم يكن إلا تتويجا لمسار تهديمي و استنزافي طويل انخرطت فيه السلطة لتدجين مرفق العدالة و الإجهاز على استحقاق استقلالية القضاء، و قد انطلق منذ أن نصب رئيس الجمهورية نفسه رئيسا للنيابة العمومية و أمر بإعفاء 57 قاضيا، و تواصل مع إصراره على عدم تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية القاضية بإيقاف تنفيذ أمر الإعفاء ذلكن و استمر مع التعطيل التام لعمل المجلس المؤقت للقضاء من خلال إفراغ تركيبته و استفحل مع وضع وزارة العدل يدها على جميع المسارات المهنية و التأديبية للقضاة بموجب مئات مذكرات العمل و ضربها عرض الحائط لجميع الإجراءات القانونية و لمبادئ الحق في الدفاع و المواجهة و الأمان القضائي
  • يعتبر أن هذا “الحكم” الذي نطقت به سلفا “محكمة التاريخ” و ذي السند الواقعي المهزوز حينا و المفبرك أحيانا كثيرة و ذي الذوق القانوني المعدوم أصلا ليس إلا أمارة أخرى على فشل السلطة القائمة و عجزها عن مواجهة معارضيها و خصومها السياسيين و عن إيجاد الحلول الكفيلة بتذليل مختلف أوجه الأزمة التي استحالت إليها البلاد
  • يعبر عن ارتياحه لرفع المناضل و المعتقل السياسي جوهر بن مبارك إضراب الجوع الوحشي الذي خاضه على امتداد 33 يوما للتنديد بالمظلمة المستمرة المسلطة عليه و المطالبة بحقه في محاكمة عادلة و علنية يضمن خلالها حضوره بالجلسة لمقارعة التهم الموجهة عليه و بيان براءته منها
  • يؤكد على أن طول النفس و الصمود و مزيد التعبئة و توحيد الصفوف مثلما دعى إلى ذلك المناضل الحقوقي العياشي الهمامي لحظات قليلة قبل اعتقاله و مزيد الاعتصام باستحقاقات ثورة الحرية و الكرامة و على رأسها استحقاق الحرية و العدالة الاجتماعية هو المنهج الأمثل لمواجهة السلطة و كبح جماح عبثها و تسلطها و مقارعة مختلف السرديات التآمرية و التخوينية التي تسعى جاهدة إلى بثها في صفوف المجتمع و بين بنات و أبناء الوطن الواحد

هذا و لا يفوت المنتدى التونسي لححقوق الاقتصادية و الاجتماعية، ختاما، أن يذكر “سلطة الأمر الواقع” التي فوتت على نفسها مرة الأخرى فرصة الاتعاظ من أخطائها أن التاريخ شاهد على أن الظلم مهما حمي وطيسه و اشتدت سعيرته زائل، و أن الاستبداد مهما طال و تمترس فان، و أن الحرية مهما تلبدت سماءها فإن بازغة لا محالة… و منتصرة.

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

الرئيس عبدالرحمان الهذيلي

 

 

Related Articles

Scroll to Top