التلوث الصناعي بولاية توزر: مستنقعات الفسفاط تقتحم الواحات

0
944

التلوث الصناعي بولاية توزر: مستنقعات الفسفاط تقتحم الواحات

الصادق السالمي، سهى حشف، تقوى تريلة، خولة الصويعي

تأطير رحاب مبروكي

*هذا المقال من تأليف المشاركين.ات في برنامج الأكاديمية البيئية للمنتدى المنعقد في توزر في الفترة الممتدة من 24 إلى 29 ديسمبر 2023

 

خلف واحات الجريد الممتدة على مساحة 60 ألف هكتار، وأنت تجوب الصحراء المترامية أطرافها تتراءى لك برك من المياه المتسربة جراء نشاط الصناعات الاستخراجية التابعة لمغاسل شركة فسفاط قفصة والتي أصبحت بمرور الوقت تشكل مستنقعات من المياه الملوثة تنتهك البيئة وتقض مضجع أهالي منطقة حامة الجريد، انتهاك طال الثروة الحيوانية والتنوع الايكولوجي والمائدة المائية أيضا.

وفي هذا الإطار أنجز هذا التقرير ضمن فعاليات الأكاديمية البيئية التي نظمها قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بولاية توزر لتسليط الضوء على الانتهاكات البيئية التي تتعرض لها واحة الجريد بسبب انسياب المياه المتأتية من مغاسل الفسفاط بالمناطق المنجمية دون رقابة.

صورة بتاريخ 28ديسمبر 2023 تبرز تسرب المياه الملوثة بالقرب من واحة توزر

 

الجريد ضحية جديدة لشركة فسفاط قفصة

الحامة عروس الجريد، في طريقها للتحول من منطقة ترفل في واحاتها إلى مستنقع تلقى فيه فضلات مغاسل شركة فسفاط قفصة، وهو ما أدى إلى الإضرار بالثروة الحيوانية لفلاحي الجهة، حيث شهدت منطقة الحامة في السنوات الأخيرة ظهور أمراض خطيرة كمرض “الهزال” وتساقط الأسنان لمئات من الإبل ونفوق بعضها إلى جانب ما تسببه الأوحال الطينية الناتجة عن مغاسل الفسفاط من غرق للمواشي وصعوبة انتشالها نظرا لصعوبة تدخل الحماية المدنية لنجدتها. ويؤثر الإضرار بالثروة الحيوانية على الوضع الاقتصادي لمربي المواشي حيث تعتبر مورد رزقهم الأساسي.

كما أن هذا التلوث البيئي الخطير يقضي على بعض الطيور والحيوانات الأخرى التي تشكل تنوعا في الثروة الحيوانية وتؤثر بذلك على بعض الأنشطة الأخرى كالصيد والسياحة الواحية في منطقة حامة الجريد.

فضلات الفسفاط تفقد الواحة تنوعها الايكولوجي

المكلف بتسيير بلدية الحامة “بوبكر درويش”، أشار في حديثه معنا إلى أن التلوث لم يطل فقط موارد رزق الفلاحين فحسب، بل تجاوز ذلك ليدمر الغطاء النباتي لوادي المالح والمنطقة المحيطة به. كما أضاف أن زحف المياه المتسربة من نشاط مغاسل الفسفاط من منطقة الحوض المنجمي يشكل تهديدا للغطاء النباتي ولنشاط المراعي في المنطقة حيث انحسرت المياه داخل المساحات المخصصة للنشاط الفلاحي، هذا إلى جانب تهديد التربة عبر تقلص الغطاء النباتي وتصحر المنطقة المحيطة بالوادي، مما تسبب في القضاء على بعض النباتات. وما فاقم الضرر هو تسرب المياه الملوثة إلى المائدة المائية حيث تترسب المياه الملوثة في باطن الأرض فتلوث المياه الجوفية التي تمثل المصدر الأساسي لري الواحات مما يخلق مشاكل على مستوى نوعية التمور التي تنتجها الواحة.

وتمر هذه المياه على وادي الثالجة في المتلوي مرورا على وادي القويفلة وصولا إلى وادي المالح في حامة الجريد، وهو ما يمس من صحة المتساكنين حيث ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الأمراض الناتجة عن تلوث المياه مثل تزايد حالات المرض بالسرطان حسب شهادة بعض النشطاء، هذا إلى جانب التعدي على حق السكان في الماء الصالح للشرب الذي يضمنه الدستور في الفصل 48 عبر تلويث المائدة المائية الجوفية للمنطقة. وحسب شهادة بوبكر درويش هناك تحاليل أجريت على عينات من الوادي أثبتت تسبب المياه الملوثة في انتشار الأمراض وقد أضيفت هذه التحاليل إلى ملف القضية التي تم رفعها حسب تصريحه.

صورة بتاريخ 28ديسمبر 2023 أثناء معاينة فريق الاكاديمية البيئية للتلوث الصناعي

 

بقايا جمل نافق في منطقة الحامة

اللجوء إلى التقاضي

سنة 2021 تم رفض قضية من طرف المجلس البلدي بتوزر ضد شركة فسفاط قفصة يخصوص الانتهاكات البيئية التي تسببها. ولا تزال القضية تراوح مكانها خاصة بعد الموقف الضبابي للشركة وتنصلها من المسؤولية وحل المجلس البلدي الذي عمل قبل حله على السعي لإيجاد حلول مع الطرف المقابل. لكن تراخي شركة فسفاط قفصة على إيقاف الانتهاك زاد من تفاقم المشكل. وبالتالي فقد أصبح من الضروري اليوم التتبع المتواصل للقضية والتعريف بها من أجل وقف هذا التعدي على الحقوق البيئية وضمان استدامة النظام الايكولوجي داخل الواحة.

إن الجهات الرسمية مدعوة إلى التحرك لوقف هذه الانتهاكات عبر إلزام شركة فسفاط قفصة بالنصوص التشريعية التي تمنع الأنشطة التي تهدد البيئة وحياة الإنسان والحيوان، كما انه أصبح محمولا على الأخيرة تحمل مسؤوليتها عبر الحد من الانتهاك البيئي واتباع طرق عمل جديدة تقوم على التصرف السليم في فضلاتها والحد من التسرب العشوائي للمياه الملوثة.

يمكنكم.ن متابعة الفيديو المصاحب للمقال عبر هذا الرّابط: