فيروس الكورونا:إجراءات لا ترتقي لخطورة الوضع العام الراهن ولا للآفاق المأساوية المرتقبة على ضوء ما يحصل في العالم وما يصدر من تقارير طبية

0
293

تونس في 22 مارس 2020

فيروس الكورونا:إجراءات لا ترتقي لخطورة الوضع العام الراهن ولا للآفاق المأساوية المرتقبة على ضوء ما يحصل في العالم وما يصدر من تقارير طبية

 

يعيش الشعب التونسي منذ مدة على وقع وباء الكورونا في ظل أزمة اقتصادية خانقة ومشهد سياسي مخجل ووضع أمني غير مطمئن وسلطة تنفيذية وإدارية اقتصرت على تصريف الأعمال أثناء الأشهر الطويلة المهدورة قصد تكوين حكومة وجدت نفسها أمام غياب إجراءات استباقية واحتياطية في المجال الصحي وأمام انتشار سريع للوباء حول العالم واتساعه للقارة الأوروبية خاصة الجنوبية التي تمثل أهم شريك اقتصادي لتونس (إيطاليا وفرنسا واسبانيا) إلى جانب بلدان أخرى كألمانيا وبلدان مجاورة كالجزائر والمغرب. في مثل هذا الوضع وجدت السلطة الحالية نفسها مدعوة إلى اتخاذ إجراءات متأخرة ومرتجلة ومرتبكة لم تحترم حتى المواعيد المرتقبة للإعلان عنها.

الوضع العالمي اليوم أصبح كارثيا بكل المقاييس حيث انتشر الوباء في قرابة 170 بلدا وأصاب أكثر من 300.000 نسمة وقضى على أكثر من 12.000 شخص أغلبهم من إيطاليا والصين وإيران وكوريا الجنوبية وفرنسا وإسبانيا وغيرها من البلدان.

وبالرجوع إلى البلدان المصابة بهذا الوباء إلى حد الآن يتضح وجود ثلاثة أصناف من السياسات التي وقع اعتمادها لمواجهة هذا الوباء القاتل:

  • الأولى وقع تطبيقها بالأساس في الصين، اعتمدت منذ البداية الحجر الصحي الشامل والصارم قصد محاصرة الوباء والحد من انتشاره السريع حتى تتمكن المنظومة الصحية في إطار إمكانياتها المتوفرة من العناية بالمصابين وذلك بالتوازي مع اعتماد إجراءات مكثفة تخص العزل الاجتماعي الضروري (مسافة الأمان وغسل اليدين وتعقيم الفضاءات العمومية ومنع كل التجمعات والتظاهرات ….)

  • الثانية وقع اعتمادها من طرف كوريا الجنوبية بالأساس وتمثلت في القيام بصفة مكثفة ومنذ البداية بتحاليل طبية (tests) على أكثر من 300.000 شخص للكشف عن المصابين وتتبع (traçabilité) الأماكن والأفراد والمجموعات التي اختلط بها المصاب وذلك قصد تشخيص الواقع الصحي والخريطة الصحية والقيام بعمليات العزل الذاتي والجماعي الموجه والمحدود. وبالتوازي وقع اعتماد إجراءات تقليدية مكثفة تخص الإجراءات الوقائية والعزل الاجتماعي الضروري.

  • الصنف الثالث:اعتمد تمشيا تدريجيا تصاعديا في ما يخص عدد ونوعية الإجراءات ودرجة الصرامة في تطبيقها.

وبتقييم مردود هذه السياسات باعتماد فترة الانتشار ووقت الذروة ونسبة الانتشار ونسبة المحالين على الإنعاش ونسبة الوفيات والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية المسجلة إلى حد الآن والمتوقعة على امتداد السنة يتضح أن التجربة الكورية الجنوبية تمثل التجربة الأنجع بكل المقاييس تليها التجربة الصينية. أما الصنف الثالث من السياسات فهي تعتبر الأقل نجاعة والأكثر خطورة بكل المقاييس كما تشهد على ذلك التجربة الإيطالية بالخصوص.

وبالرجوع إلى الوضع المتأزم والمتدهور للمنظومة الصحية العمومية التونسية المتميزة بالأساس بـــــــ :

أولا: ضعف كبير لطاقة استيعاب المرضى (سريرين لكل 1000 ساكن بتونس سنة 2014 مقابل على وجه المقارنة 14باليابان سنة 2012 و12 بكوريا الجنوبية سنة 2015 و7 بفرنسا سنة 2013 و4 بالصين سنة 2012 و3 بإيطاليا سنة 2012) وإلى جانب الضعف المهول لعدد أسرة الإنعاش الذي لا يتجاوز 331 سريرا أي ما يعادل صفر فاصل عديد الأصفار لكل 1000 ساكن مقابل 7.8 باليابان و7.1 بكوريا الجنوبية و6 في ألمانيا و2.6 في إيطاليا و2.4 في اسبانيا وذلك سنة 2018 حسب معطيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

ثانيا:النقص الحاصل في الإطار الطبي نتيجة هجرة عدد كبير من الأطباء التونسيين خلال السنوات الأخيرة، خصوصا، وبالتوازي مع سياسة إيقاف الانتدابات بالوظيفة العمومية في إطار التزام الحكومات المتعاقبة بتطبيق سياسة التقشف الواردة ضمن حزمة الشروط المملاة من قبل صندوق النقد الدولي عندما وقع إسناد القرض الممدد سنة 2016 .

ثالثا: أزمة المالية العمومية وضعف النفقات العمومية الموجهة للقطاع الصحي مع تراجع نسبتها من النفقات العمومية الجملية منذ سنوات نتيجة الاختيارات النيوليبرالية التي يقوم على أساسها المنوال التنموي الحالي مما أدى إلى نقص ملحوظ على جميع المستويات (الدواء والمعدات والآلات الصحية والكمامات الواقية … إلى جانب ضعف عدد الأسرة وأسرة الإنعاش ومعدات التنفس …)

ونظرا كذلك إلى أن وباء الكورونا الداهم يتسم بسرعة الانتشار ويتسبب في الكثير من الوفيات مع غياب علاج معروف إلى حد الآن وغياب التلقيح وعدم معرفة الوقت الذي ستتطلبه البحوث لتوفير ما يجب لمجابهة هذه الآفة فإن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبالرجوع إلى ما ورد سابقا:

يعتبر أن أفضل وسيلة لمواجهة الوضع والحد من انعكاساته الكارثية تتمثل في الحد من انتشاره الواسع والقاتل وبالتالي فإن المنتدى يتوجه بنداء عاجل وأكيد لكل السلط لفرض حجر صحي شامل وصارم إلى جانب العمل الجاد على مراقبة دقيقة ويقظة لكل الوافدين من خارج البلاد عبر كل المسالك الجوية والبحرية والبرية ومطاردة كل المشكوكين في وضعهم الصحي والرافضين للعزل الذاتي والجماعي والقيام بعزلهم القسري طبقا للقانون مع توفير أقصى إمكانيات الوقاية (الكمامات …) والقيام بالتشخيص الدقيق للوضع الصحي عبر القيام ب 30.000 تحليل على الأقل وتتبع المصابين ومرافقة عزل المصابين وتعبئة كل الأطر الصحية، وتسخير كل الإمكانيات للمحافظة على صحتهم وتسهيل مهامهم … مع توفير الخدمات اللازمة (تعقيم الفضاءات العمومية وتوفير وسائل النظافة في الفضاءات العمومية ومراقبة سلوكيات المواطنين وحثهم على احترام العزل الاجتماعي الضروري بالتخلي عن المصافحة واحترام مسافة الأمان الضرورية وغسل اليدين…)

               والمعلوم أن عديد الإجراءات وقع الإعلان عنها رغم تأخرها واعتمادها لتمش تدريجي ذو جدوى ضعيفة إلا أن تطبيق هذه الإجراءات وخاصة الإجراء الأخير المتمثل في العزل الصحي الشامل يبقى غير صارم وغير محترم ويحتوي على استثناءات عديدة لا مبرر لها مثل الأنشطة المالية (البنوك وشركات التأمين التي يمكن أن تلجأ للعمل عن بعد وتقتصر فروعها على عدد قليل من الموظفين لقبول وتوفير السيولة الضرورية مدة الحجر الصحي إلى جانب عديد الإدارات التي يمكن إغلاقها مع اعتماد العمل عن بعد …) كما أن الإجراءات لا توفر حلولا استثنائية للحد من تنقل المواطنين مثل حث التجار على بعث نقاط بيع متنقلة لتوفير الضرورات والحد من انتقال الأشخاص مع فرض مقاييس صحية صارمة على التجارة المتنقلة والخاضعة للمراقبة المستمرة.

كما أن الإجراءات الهادفة لمساندة المواطنين والمؤسسات المتضررة تبقى غير كافية ودون الحاجيات الحقيقية. فمن المفروض أن تعمل الحكومة على توفير موارد عمومية إضافية من خلال اعتماد إجراءات استثنائية يحتمها الوضع الاستثنائي.

على ضوء هذه النواقص والاخلالات يؤكد المنتدى على ضرورة الإسراع بتفاديها عبر التطبيق الشامل والصارم للحجر الصحي لا يستثنى منه إلا بعض المهن الضرورية كالصحة والأمن والغذاء وبعض المرافق العامة والحيوية مع الحد من التنقل داخل التجمعات السكانية بتوفير نقاط بيع متنقلة مع منع التنقل بين الولايات والمدن لغير الشاحنات المحملة بالبضائع. إن التطبيق الصارم للحجر الصحي ستكون كلفته الاقتصادية والاجتماعية مهما ارتفعت أقل بكثير من الكلفة التي ستنتج عن عدم التطبيق الصارم نظرا لخصوصيات الأوضاع التونسية سابقة الذكر.

وإلى جانب التطبيق الصارم للحجر الصحي يؤكد المنتدى على ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية وجريئة تعكس خطورة الوضع الاستثنائي الذي تمر به البلاد وتحد من الكوارث والمآسي التي ستحصل لا محالة في غياب الصرامة مع استمرار التسيب والتراخي والتذبذب.

  1. في مجال توفير موارد إضافية تمكن الدولة من الرفع من قدرة تدخلها وأدائها من الضروري اعتماد الإجراءات التالية:

في البداية يجب التأكيد على عدم الاكتفاء والركون إلى الاعتماد على التبرعات والصدقات والهبات لأنها:

أولا:  لا يمكن أن تفي بالحاجة مهما ارتفعت قيمتها.

ثانيا: لأنها عرضة للتوظيف السياسي مع إمكانية اعتبارها من قبل بعض الأطراف مقابلا لعدم القيام بالواجب الجبائي والاجتماعي.

ثالثا: لأنها توحي بمفهوم الإعانة الظرفية وفي الحقيقة المطلوب ضمان حقوق المواطنين وتمكين الدولة بصفة مستمرة من القيام بواجباتها لمجابهة الأزمات والأوبئة والكوارث عند حدوثها مع دعم المسيرة التنموية لتحسين قدرات الاقتصاد وظروف المواطنين على مواجهة الحالات الاستثنائية بالاعتماد أساسا على امكانياتهم الذاتية ومن هذا المنطلق نقترح ما يلي:

  • تعليق تسديد الديون الخارجية والعمل على إلغاء جلها أو بعضها من خلال تكثيف العمل الديبلوماسي في اتجاه الدول والمنظمات والمؤسسات المعنية المانحة أو التي يمكن أن تساند مبادرات من هذا النوع. ذلك نظرا لأن الظرف استثنائي ويهم بدرجات متفاوتة جميع البلدان والشعوب ونظرا كذلك لخصوصية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عموما بالنسبة لتونس وبالتالي لا يجب أن يبقى التآزر والتضامن داخل الحدود الوطنية لأن فيروس كورونا لا يعرف الحدود وهو ما يحتم أن يكون التضامن على المستوى العالمي. علما وأنه بالنسبة لتونس بلغت خدمات الدين الخارجي الجملية 9200 مليون دينار سنة 2019 منها 6991 مليون دينار خدمات الدين العمومي (الأصل والفائدة) لتسديد الديون الخارجية. ومن المتوقع أن تبلغ الخدمات الجملية للدين الخارجي 12 ألف مليون دينار سنة 2020 منها حوالي 76% سيقع تسديدها من قبل الميزانية العمومية أي ما يقارب 9200 مليون دينار. وهذا الحجم يساوي 3.68 مرة الاعتمادات المالية المتواضعة التي وقع تخصيصها أخيرا لمواجهة وباء الكورونا.

  • محاصرة الاقتصاد الموازي الذي استفاد منذ سنوات من ضعف الدولة ومؤسساتها ومن انتشار الفساد لاحتكار نسبة هامة ومتصاعدة من الثروات التونسية. وهذه المحاصرة يجب أن تركز على المافيات والأباطرة ورؤساء الشبكات وإخضاعهم للمحاسبة والتعويض والمساهمة الجبائية والاجتماعية. إن الظرف الاستثنائي التي تمر به بلادنا يعتبر ملائما للقيام بإصلاحات جوهرية وأساسية تتمثل في بداية تنظيم هذا القطاع والرفع من صلابة النسيج الاقتصادي والحد من المنافسة غير الشريفة التي تسببت في إفلاس عديد المؤسسات المنتمية للقطاع المنظم وفي تنامي صعوبات مؤسسات أخرى كما أن هذا الإصلاح من شأنه أن يساهم في تحسين مناخ الأعمال وفي خلق أفق أرحب للرفع من الاستثمار الخاص وتحقيق الانتعاش الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.

  • اتخاذ إجراءات حازمة لمواجهة التهرب الجبائي خاصة من طرف الخاضعين للنظام الجبائي التقديري لعديد المنتمين للمهن الحرة التي حان الوقت بالنسبة لها لمعاضدة المجهود الوطني والمساهمة في إنقاذ البلاد.

  • اتخاذ إجراءات حازمة لمواجهة تهريب الأموال للخارج وإيجاد الصيغ الملائمة مع كبار المهربين لاسترجاع أكثر ما يمكن من الأموال.

  • القيام بتسخير كل الإمكانيات المتوفرة بالقطاع الخاص (نزل لاستقبال المصابين ومصحات استشفائية لتداوي ومؤسسات نسيج قصد تسخيرها لصنع الكمامات وتزويد المستشفيات بمستلزمات الوقاية وكذلك المؤسسات الكيميائية لتوفير مواد التنظيف والأدوية … وشركات النقل لتسهيل توزيع المواد الضرورية في كل أنحاء البلاد. علما وأن القطاع الخاص في الميدان الصحي مثلا وحسب معطيات سنة 2016 المتوفرة لدى المجلس الوطني لعمادة الأطباء يشغل 53 % من مجمل الأطباء و77% من الصيادلة و79% من أطباء الأسنان والمطلوب منه أن يسخر كل طاقاته البشرية واللوجستية وتجهيزاته لمعاضدة المجهود العمومي .

  • تشديد العقاب لمقاومة الغش والاحتكار والفساد بتسليط أقصى العقوبات المالية على المخالفين.

  • تعبئة كل إمكانيات المجتمع المدني لمساندة ومؤازرة المجهودات المبذولة. وفي هذا الصدد يتوجه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بنداء إلى كل الحركات الاجتماعية وشركائه في النضال الاجتماعي على المستوى المحلي والجهوي والوطني بالدعوة إلى المساهمة الفعالة والمكثفة لإنقاذ شعبنا من هذه الكارثة عبر الحد من توسعها ومن انعكاساتها المأساوية وذلك بالقيام بحملات توعية مكثفة ونشر ثقافة الانضباط والعمل بتعليمات الأطباء والتنديد بالسلوكيات غير المسؤولة وتنظيم التضامن والتآزر خاصة لفائدة أصحاب الحاجيات الخصوصية. وقصد تنظيم هذه التحركات يؤكد المنتدى على ضرورة تكوين لجان أحياء لليقظة وللوقاية الصحية تضم خاصة المعطلين من أصحاب الشهادات العليا كالأطباء والصيادلة والمختصين في العلوم الطبيعية والكيمياء وعلوم التواصل والاتصال وغيره من المتطوعين .

  1. في مجال النفقات العمومية

  • القيام في إطار الإصلاح الإداري الشامل بتحويل الامتيازات العينية (سيارات إدارية وبنزين وصيانة سيارات وتوفير سائق …) إلى منحة نقل بقيمة معقولة. هذا الاجراء من شأنه التخفيض من النفقات العمومية وتوفير موارد مالية للدولة. إلى جانب ذلك يجب التقليص من ميزانية رئاسة الجمهورية نظرا للتقليص الحاصل في صلاحيات الرئاسة في ظل نظام سياسي شبه برلماني. كما يجب التقليص من ميزانية عديد الوزارات بصفة استثنائية نظرا لكونها لا تمثل أولوية في ظل هذه الأوضاع.

  • إعادة النظر في الأولويات للتركيز على النفقات الصحية والغذائية والخدمات العامة الأساسية (نظافة وتطهير وصيانة ونقل البضائع وتوفير الماء والكهرباء …) والاقتصار عند الحاجة على توريد مثل هذه المنتوجات.

  • توجيه التحويلات الاجتماعية إلى مستحقيها دون غيرهم ودون اعتبار الولاءات الحزبية والانتماءات الجهوية مع الرفع من قيمتها وتركيز العناية بفاقدي الدخل (من عاطلين وفقراء وعائلات معوزة، مع تحيين أعدادهم ) والمهمشين (عمال الحضائر والعاملين في القطاع الموازي بدون عقد شغل ودون حماية اجتماعية, والعاملين في القطاع المنظم بعقد شغل محدود المدة …). والحرفيين المتجولين بالتركيز على ضعاف الحال منهم والأجراء أصحاب الدخل المحدود وأصحاب الحاجيات الخصوصية (المسنين والمتقاعدين ضعاف منحة التقاعد بدون سند عائلي والمعاقين وفاقدي السند عموما …).

  • الحرص على عدم استعمال النفقات العمومية الموجهة للتنمية وللاستثمار العمومي في مجالات أخرى مع الحرص على إعطاء الأولوية لنفقات التنمية الموجهة للبنية التحتية وللمشاريع الكبرى المهيكلة للنسيج الاقتصادي حتى لا نرهن مستقبل البلاد وحتى ندعم آفاق التنمية في المستوى المتوسط والبعيد.

وفي الختام يؤكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن انتشار الخوف والرعب لدى عديد الشرائح الاجتماعية من جراء خطورة الوباء ونتائجه المأساوية في عديد البلدان يعبر بالأساس عن الوعي بالأزمة الحادة للقطاع الصحي ومحدودية موارد الدولة وقدرتها على مواجهة مثل هذه الأوبئة والكوارث. علما وأن هذه الأوضاع تمثل بالأساس نتيجة لخيارات تنموية نيوليبيرالية قائمة من جهة على انتشار الفردانية والفئوية والمصلحة الخاصة والأنانية والتكالب وراء الربح العاجل بكل الطرق حتى لو كانت غير قانونية وغير أخلاقية وغير إنسانية ومن جهة أخرى على اكتساح المنطق السلعي كل مجالات الحياة بما فيها الصحة وذلك في ظل تقزيم وتقليص حجم ودور الدولة  والقطاع العام مما أدى إلى إضعاف قدرة الشعوب على مواجهة الكوارث والاوبئة والحالات الاستثنائية عموما مما يفرض بعد اجتياز هذه الكارثة إعادة النظر في نظامنا السياسي وفي منوالنا التنموي لبناء أكثر حصانة ومناعة ذاتية في المجال الاقتصادي والاجتماعي لانه من غير المعقول ان تلجأ كل البلدان بكل شرائحها الاجتماعية والمهنية الى الدولة كلما حلت بها الازمات الاقتصادية الحادة والكوارث الطبيعية والاوبئة وفي نفس الوقت تعتمد هذه البلدان اختيارات تنموية نيوليبرالية تقنن وتنظم تقزيم حجم ودور الدولة وتعمل على اكتساح المنطق السلعي لكل مجالات الحياة بما فيها الصحة والتعليم وتساهم في نشر سلوكيات وثقافة الفردانية والانانية وتثمين المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

الرئيس عبدالرحمان الهذيلي

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
S'il vous plaît entrer votre nom ici

*