التمييز الجندري في التشغيل: ترسيخ للتبعية المادية وضرب للتمكين الاقتصادي للمرأة محتجات قفصه يفضلن الطلاق على هضم حقوقهن الاقتصادية

0
1313

التمييز الجندري في التشغيل:

ترسيخ للتبعية المادية وضرب للتمكين الاقتصادي للمرأة

محتجات قفصه يفضلن الطلاق على هضم حقوقهن الاقتصادية

رحاب مبروكي

التمييز “الجندري” أو كما يعرف بالتمييز على أساس الجنس مصطلح  تعددت مفاهيمه وأشكاله التي تظهر في العديد من الأوساط منها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، ومع أن  هذا النوع من التمييز يمكن ممارسته ضد الرجال والنساء، إلا أنه يوجّه بشكل كبير ضد النساء والفتيات فقط.  ورغم التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة بشأن ضمان حقوق المرأة الإنسانية وتعزيز مكانتها داخل المجتمع إلا أن مظاهر التمييز لا زالت تبرز في العديد من الممارسات التي تبين الانتهاك الواسع لحقوق المرأة والسعي للحد من مشاركتها في سوق العمل. ففي الوقت الذي تُتيح فيه مختلف البلدان مزيدا من الفرص للنساء للمشاركة في الاقتصاد، فرصا تتجاوز كثيرا حدود الفتاة أو المرأة لتصل إلى تحقيق منافع على مستوى المجتمع والاقتصاد على اتساعه، إلا أن ما تسعى إليه الحكومة التونسية اليوم هو حرمان  النساء المعطلات عن العمل من حقهن في التشغيل وتقييد مصادر رزقهن بدعوى أنهن متزوجات وأزواجهن يعملون مما يعد شكلا من أشكال ضرب التمكين الاقتصادي للمرأة ومحاربة حقها الكوني في التمتع بالكرامة الإنسانية عبر تحقيق استقلالها المادي.

ما التمييز “الجندري”؟

تعرف اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) مصطلح التمييز الجندري بأنه “أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد على أساس الجنس، يكون من آثاره أو أغراضه إضعاف أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في كل الميادين أو تمتعها بالحقوق وممارستها لها بغض النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل”[1].

المرأة وحقوق الإنسان

في الثامن عشر من ديسمبر عام 1979 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي تعتبر الشرعة الدولية لحقوق المرأة ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في الثالث من سبتمبر 1981 بعد أن صادقت عليها عشرون دولة ومنهم تونس. وورد في هذه الاتفاقية أن “التنمية الكاملة والتامة لأي بلد ورفاهية العالم وقضية السلم تتطلب مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل، أقصى مشاركة ممكنة في جميع الميادين”[2]. وتستند حقوق المرأة في تونس والعالم بشكل عام إلى العديد من المراجع القانونية والاتفاقيات الدولية الداعمة لتواجد العنصر النسائي في جميع القطاعات الحيوية في البلدان، ومن بين هذه المواثيق نذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[3]  واتفاقية الحقوق السياسية للمرأة[4] وغيرها من المواثيق المنادية بتفعيل المساواة بين الجنسين على الصعيد العالمي. إلى جانب الدستور التونسي[5] الذي اقر بالمساواة بين جميع المواطنين والمواطنات ومجلة الأحوال الشخصية[6]. ورغم الترسانة القانونية المحلية منها والعالمية الحامية لحقوق النساء الاجتماعية والاقتصادية إلا أن أشكال الانتهاك لازالت تمارس ضدهن على مستويات عدة.

غياب المساواة الاقتصادية للنساء في تونس

تواجه النساء في تونس وفي ولاية قفصه بشكل خاص مروحة واسعة من الحواجز القانونية والاجتماعية التي تساهم بشكل واسع في إرساء غياب صارخ للمساواة الاقتصادية. وتتعرض فئة المعطلات عن العمل من حاملات الشهادات الجامعية إلى هذا التمييز بشكل كبير خاصة على مستوى التعاطي الحكومي مع ملف المعطلين عن العمل. وعلى أن النساء يشكلن أكثر من 50 بالمائة من حاملي الشهادات الجامعية ورغم مشاركتهن في جميع الأشكال الاحتجاجية منذ أحداث 14 من جانفي من وقفات احتجاجية واعتصامات وإضرابات للجوع إلى جانب خوضهن لجميع المعارك التي نادت بالتشغيل وتحقيق الكرامة الإنسانية لهن وتعرضهن إلى أشكال عدة من القمع والعنف المادي والمعنوي أثناء ممارستهن لحقهن المشروع في التظاهر إلا أن استثنائهن من الحق في التشغيل بحجة حصول أزواجهن على وظائف حكومية لا يمكن أن يكون إلا شكلا من أشكال توسيع الفجوات بين الجنسين في سبل حصول النساء على وظائف تحفظ كرامتهن الإنسانية.

محتجات من قفصه يقدمن عريضة طلاق جماعي[7]

وقد تم اتخاذ قرار إقصاء النساء المتزوجات من الحق في المشاركة في أحد المناظرات الجهوية من طرف والي الجهة بحجة زواجهن من رجال يعملون في القطاع الحكومي في انتهاك واضح لحقهن في التشغيل ومزيد ترسيخ التبعية الاقتصادية بين المرأة والرجل. قرار قوبل بغضب شديد في صفوف المعطلات المشاركات في اعتصام التشغيل أمام مقر الولاية منذ فيفري 2019 وندّدن بهضم حقوقهن الاقتصادية ما دفع بهنّ إلى تحرير عريضة طلاق جماعي.  وتتحدث في هذا السياق مريم أصيلة معتمدية المتلوي من ولاية قفصه، تبلغ من العمر 37 عاما، اختصاص تصميم بالحاسوب ومعطلة عن العمل منذ أكثر من 15 سنة قائلة : ” منذ بداية اعتصام المعطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا قبل أكثر من السنتين كنا نحن النساء جزءا لا يتجزأ من هذا الاعتصام وشاركنا في جميع الوقفات والمسيرات المنادية بالتشغيل كما تعرضنا إلى الضرب والعنف المعنوي من القوات الأمنية وكان مطلبنا الأساسي الذي لم نحد عنه  يوما هو التشغيل” وتضيف “تم الإعلان عن فتح باب الترشحات للمشاركة في المناظرة الجهوية الخاصة بشركة البيئة الغراسة والبستنة إلا إن قرار الوالي بإقصاء جميع النساء المتزوجات من رجال يعملون في القطاع العمومي من المناظرة خلف غضبا كبيرا في صفوف المعطلات، ورغم محاولتنا التفاوض السلمي مع السلطات الجهوية من أجل التراجع عن هذا القرار إلا أن سياسة المماطلة والتجاهل كانت هي الإجابة على جميع مطالبنا ، ثم لم نجد من حل سوى تحرير عريضة طلاق جماعي ضمت أسماء المحتجات  وقد اعتمدنها كشكل احتجاجي من أجل لفت نظر المسؤولين والسلطة لقضيتنا”. وأكدت مريم اعتراضهن الشديد على هذا القرار المجحف والتمييزي ضدهن والمتخذ دون أي موجب قانوني وحرمانهن من فرص التشغيل على المستوى الجهوي بحجة أن القرين يعمل وهو ما يتنافى مع القانون التونسي والمقاييس الدولية داعية إلى “اعتماد السن وعدد سنوات التخرج  مقاييس أساسية للتشغيل من اجل ضمان تكافئ الفرص بين جميع العاطلين”.

نضال سنتين قوبل بالإقصاء

مريم هي واحدة من ألاف المحتجات اللاتي يقبعن أمام سور ولاية قفصة جنوب غرب تونس منذ ما يزيد عن السنتين في اعتصام مفتوح من أجل حقهن في التشغيل، لم تثنهنّ أيام البرد أو الحر من مواصلة نضالهن والتمسك بحقوقهن المشروعة صامدات أمام الضرب والهرسلة على أمل الظفر بلفتة من الحكومة تأخذ قضيتهم على محمل الجد وتعيد الموازنات الاقتصادية لهذه الجهة التي تعاني الفقر والتهميش والبطالة رغم زخم ثرواتها.

ولئن كان قرار الإقصاء المتخذ من طرف الوالي حجة لإتاحة الفرص لغيرهن من النساء المطلقات أو الأرامل أو العازبات في التشغيل إلا انه من منظور سوسيولوجي لا يخرج عن مربع مزيد ترسيخ التبعية الاقتصادية للمرأة اليوم رغم وصولها مستوى أكاديمي تخول لها العمل وتحقيق استقلالها المادي. وفي هذا الإطار تؤكد الباحثة الاجتماعية بمركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة سنية بن جميع أن الدور  الذي تتحلى بها المرأة سواء كان إنتاجي أو إنجابي أو مجتمعي و وضعها الاجتماعي لا يمكن أن يتعارضا مع حقها في التشغيل أو أن يكونا سببا في إقصائها بتعلة عمل القرين باعتبارها مواطنة مكتملة الحقوق.

 تمثل النساء والفتيات نصف سكان العالم، وبالتالي نصف إمكانياته. كما أن تعزيز ووجودهن داخل الحياة الاجتماعية  والاقتصادية شرطا للرقي الحضاري وتطور الاقتصاد وتقدم الأمم، ومع أن تحقيق المساواة بين الجنسين في جميع المجالات أمر جوهري في عمل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فان الجمعية  تجدد الدعوة اليوم إلى “لا جندرة” التشغيل كما تؤكد على أن تحقيق المساواة الجندرية اليوم ليس ترفا وإنما قضية أمة بأكملها ناضلت من أجلها أصوات وحركات  بهدف ترسيخ ثقافة  تؤمن بدور المرأة الفعال في تطوير الاقتصاد والارتقاء بالمجتمع.

[1] [1] http://hrlibrary.umn.edu/arabic/CEDAW473.pdf

[2] https://news.un.org/ar/story/2019/03/1028201

[3] https://www.oic-iphrc.org/ar/data/docs/legal_instruments/Basic_IHRI/775283.pdf

[4] http://hrlibrary.umn.edu/arab/b023.html

[5] https://www.constituteproject.org/constitution/Tunisia_2014.pdf?lang=ar

[6] https://wrcati.cawtar.org/preview.php?type=law&ID=10

[7] https://www.gulf-one.com/tunisia/.html

Télécharger (PDF, Inconnu)

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
S'il vous plaît entrer votre nom ici

*