تازركة و الهوارية : حياة على ضفاف الصرف الصحي

0
649

تازركة و الهوارية : حياة على ضفاف “الصرف الصحي”

برنامج التبادل الشبابي لمشروع العدالة البيئية في نسختها الثالثة: قربة من 15 إلى 20 جوان 2020

تقري من إعداد:

– راضية بن الحاج صالح، متطوعة من المنستير

– محمد علاء الدين السالمي –، متطوع من القيروان

– أحمد بلخيري، متطوع من قفصة

تنسيق: رحاب مبروكي

 

حياة ما بعد الموت يعيشها سكان “تازركة” و “الهوارية” من ولاية نابل قبل الموت ، فغير بعيد عن المناطق السكنية تتواجد شبكة الصرف الصحي التي أصبحت مستنقعا للحشرات و مقبرة لنفايات انتشرت بفوضى على أرجاء المكان. و أنت تجوب الأنهج تستقبلك روائح قاتلة تتسلل بخبث إلى رئتيك فتخنقك دونما استحياء من جمالية البحر الذي يربض قريبا من “شبكة الموت”، روائح لم تكتفي بعدم الاستحياء فحسب بل و تتحدى جميع مطالب و محاولات أهالي المنطقة في الضغط على السلطات من أجل إيجاد حل لهذا الوضع الكارثي. مياه على اختلاف مصادرها منزلية كانت أم صناعية تجد طريقها يوميا إلى هذا المكان لتنساب على أديمه راسمة لوحة تراجيدية أشبه بلوحات بيكاسو المأساوية، لوحة تعكس صورة الموت البطيء للمدينة التي ترزخ منذ سنوات تحت وطأة التلوث حتى أصبح خبزها اليومي، لوحة هي ترجمان لنزيف من المعاناة كان و لا زال متواصلا رغم الإصرار الدستوري للدولة التونسية على ترسيخ مبدأ حماية البيئة و احترامها و أهمها الفصل 45 من الدستور التونسي الذي نص على الحق في بيئة سليمة و متوازنة.

و على هذا الحال تتواصل أزمة الصرف الصحي بتازركة و الهوارية كشبح الموت الذي يترصد ضحيته من البشر والطبيعة مخالفا في ذلك التشريع و متجاهلا السلط الإدارية وهو ما أدى إلى الالتجاء للقضاء على أمل الخلاص و الإنصاف.

نزيف حاد يطال الإنسان و الطبيعة

تعاني شبكة مياه الصرف الصحي بمعتمدية تازركة و منطقة صاحب الجبل التابعة لمعتمدية الهوارية الاهمال و الخروج عن الخدمة بسبب انتهاء عمرها الافتراضي و افتقارها للصيانة و التجديد. و قد مثلت محدودية نجاعة منظومة التطهير هذه  أحد أهم الإشكاليات التي ظلت على حالها منذ سنوات دون تدخل فعلي من السلط المعنية للحد من هذا النزيف القاتل و الانتهاك الصارخ للحقوق البيئية و الصحية لمواطني الجهة. ففي ظل غياب مراقبة فعالة وناجعة من قبل الهياكل المسؤولة تسبب تقادم شبكة تصريف مياه الصرف الصحي و اهترائها في انسياب مياهها بالقرب من الأحياء السكنية مما خلف ظهور عديد الأمراض التي يعاني منها الأهالي.

“أمراض عديدة أعانيها أنا و عائلتي بسبب الوضع البيئي المتردي لشبكة الصرف الصحي” هكذا ردد صابر و هو مواطن أصيل منطقة صاحب الجبل بنبرة تشي لنا بتفاصيل معاناة دائمة لم يحن أوان توقفها بعد.

بهذه الإشكاليات التي لحقت السكان و البيئة تندرج شبكة الصرف الصحي ضمن نطاق الفصل الثالث من القانون عدد 30 لسنة 2016 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية حيث ينص هذا الفصل على أن تقع معاينة المخلفات والجنح لتراتيب حفظ الصحة والنظافة العامة من قبل مأموري الضابطة العدلية المحلفين والمؤهلين للغرض والأعوان المحلفين والمؤهلين للغرض.

فصل تدعمه منظومة قانونية تؤكد على ضرورة حماية الحقوق البيئية والصحية للأفراد و أهمها الفصل 45 من الدستور التونسي الذي يؤكد على ضمان الدولة حق المواطن في بيئة سليمة و متوازنة و أيضا القانون المتعلق بإحداث الديوان الوطني للتطهير منذ سنة 1974، و الذي توكل له مهمة تجديد وصيانة مصارف و مجمعات المياه بالمناطق البلدية. لكن الهوة التي ظلت راسخة بين ما شرع له و ما هو موجود على أرض الواقع جعلت أهالي تازركة و صاحب الجبل أمام خطر بيئي و صحي داهم جراء انسياب مياه الصرف الصحي و امتزاجها بفضلات المياه المتأتية من بعض المصانع بالمنطقة، في ظل عجز الإجراءات الإدارية عن وقف هذا الانتهاك الحاد لحقوق متساكني الجهة.

فما هو موقف السلطات من كل هذا؟

حلول ترقيعية و أنصاف خطوات

رغم مطالبة الجميع بالتدخل الفوري لمصالح الدولة من اجل وضع حد لهذا الاشكال البيئي، لم تحض مشكلة الصرف الصحي بكل من تازركة و الهوارية إلى حد اليوم باهتمام لدى السلطة المشرفة، فحتى مصالح ديوان التطهير الموكلة لها قانونيا مسؤولية مراقبة و إعادة صيانة الشبكة لم تحرك ساكنا تجاه هذه الأزمة البيئية الطارئة و اتخذت موقف المتفرج رغم ما يتطلبه الوضع من تدخل عاجل.

الثلاثاء 16 جوان 2020 كان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية  بحضور قسم العدالة البيئية على موعد مع السيد محمد الجبالي مستشار بلدي و رئيس لجنة النظافة و البيئة ببلدية الهوارية و الذي أكد لنا سوء الوضع البيئي بالمنطقة بسبب تجمع مياه الصرف مع مياه المصانع المستعملة و انسيابها داخل خليج “الشط القبلي”. أما بخصوص وضعية محطة معالجة مياه الصرف الصحي أشار إلى أنها معطلة منذ ما يقارب 5 أشهر مما جعلها مصدرا لانبعاث الروائح الكريهة و الحشرات و الأمراض التي طالت سكان الحي الذي يضم أكثر من 50 عائلة و مدرسة ابتدائية و مدرسة اعدادية يعيش تلاميذها يوميا معاناة استنشاق روائح قاتلة طيلة ساعات اليوم.

صورة للمدرسة الابتدائية بصاحب الجبل

و يتواصل هذا الوضع في ظل غياب دور الهياكل المعنية و ضعف تطبيق القانون. لكن ولئن انتهجت بعض السلطات بالمنطقة منهج الصمت و غض البصر فان الدفاع عن حق الجهة في بيئة متوازنة و المناداة بتطبيق الفصول الدستورية كان حاضرا في عمل جمعيات المجتمع المدني التي لم تنأ عن ترسيخ مبدأ الاعتراف بالبيئة كحق دستوري مضمون.

فكيف يتجلى دور المجتمع المدني ؟

الحزم و إن اختلفت الإجراءات

“أنيس قاسم” رئيس جمعية البيئة بتازركة أكد لنا محاولة عديد الجمعيات المهتمة بالشأن البيئي بالمنطقة مناصرة الملف البيئي المتعلق بتقادم شبكة الصرف الصحي و اهترائها و دفع الأطراف المعنية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات من أجل تحسين الوضع أفضل مما هو عليه.

مراسلة من جمعية البيئة بتازركة الى بلدية المكان من اجل حلحلة مشكل الصرف الصحي

و أشار السيد أنيس قاسم في ذات السياق إلى أن مشكل مياه الصرف الصحي بدأ منذ ما يقارب أربعة سنوات باعتبار أن معتمدية تازركة لم تكن مرتبطة بديوان التطهير قبل 2010 و كانت المياه الغير معالجة تتجمع في سبخة مدينة الصمعة. ومنذ تركيز محطة معالجة المياه المستعملة و دخولها حيز الاستغلال سنة 2016 بدأت متاعب الأهالي مع أزمة الصرف التي لازالت متواصلة إلى حد اليوم. فمع كل تعطيل يطال قنوات الشبكة تبدأ رحلة من المعاناة يتكبدها المتساكنون، ناهيك عن تضرر المناطق الفلاحية المتاخمة لمكان الصرف الصحي و التي شهدت تراجعا في الإنتاجية بسبب تأثير مياه الصرف المنساب على المزروعات.

إن النظرة إلى الشأن البيئي لم تعد ترفا و تعبئة المسؤوليات بين مختلف الأطراف أصبحت ضرورة لا بد منها سيما في ظل ما يفرضه الوضع البيئي الحالي من تدخل عاجل من المصالح المعنية من اجل إدخال  تحسينات طويلة المدى تضمن حقوق الأفراد البيئية.

 

 

 

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
S'il vous plaît entrer votre nom ici

*