صيغة العون الوقتي في الوظيفة العمومية
بلقاسم الهمامي خبير في الشغل والضمان الاجتماعي
مداخلة القيت خلال المؤتمر الوطني للحركات الاجتماعية
تضمنت أحكام القانون عدد 112 لسنة 1983 المؤرخ في 12 ديسمبر 1983 المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية وخاصة ما تضمنه العنوان الرابع من فصول خاصة ميزت الأعوان الوقتيين من الفصل 98 إلى الفصل 102.
انتداب العون الوقتي في الوظيفة العمومية
ويتميز الأعوان الوقتيون خلافا للأعوان القارين منذ الانتداب فقد نصّ الفصل 98 أنه “يعتبر وقتيين الأعوان الذّين ينتدبون مباشرة قصد المشاركة الفعلية في تنفيذ خدمة عمومية وذلك بصفة وقتية وقابلة للرجوع فيها إما ليشغلوا خطة شاغرة بإطارات الإدارة لنقص في الأعوان المترسمين أو لتعويض عون مترسم لمدّة محدودة أو للقيام بأعمال عرضية أو طارئة” عكس الأعوان القارين الّذين يكتسبون صفتهم تلك من احتلالهم لخطط قارة بإطارات الإدارات العمومية طيلة مدّة توظيفهم ويتمتعون بالتالي بنظام الحياة الإدارية والذين تم انتدابهم وفق أحكام الفصل 18 جديد “عن طريق مناظرات تعتمد الاختبارات أو الشهائد أو الملفات وتقوم المؤهلات المهنية للمترشحين من قبل لجنة امتحان…”
يفسح المجال من خلال المناظرة لكافة المواطنين ممن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة للترشح على قدم المساواة إلى الخطط العمومية دون أي ميز أو اقصاء في إطار احترام القواعد الدستورية الواردة بالفصل الثالث والعشرون من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 والّذي نصّ على أن “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء “أمام القانون دون أي تمييز” وكذلك نص الفصل السادس والاربعون منه أن “العمل حق لكل مواطن ومواطنة وتتخذ الدولة التدابير الضرورية لضمانه على أساس الكفاءة و الانصاف .ولكل مواطن ومواطنة الحق في العمل في ظروف لائقة وباجر لائق”.
وفي نفس الإطار أكدت المادة 25 الفقرة (ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المؤرخ في 19 ديسمبر 1966 ” أن تتاح له (المواطن) على قدم المساواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامّة في بلده”.
الصيغة الوقتية لانتداب العون الوقتي.
وتجدر الإشارة إلى أن الالتجاء إلى انتداب أعوان وقتيين مباشرة يمكّن الإدارة من:
– سدّ حاجياتها الأكيدة بصفة فورية وهو ما يمكنها من تفادي أي خلل في سير مصالحها عند حدوث شغور هام ومفاجئ في إطارها.
– انتداب الأعوان العمومين على عين المكان (محليا وجهويا) وهو ما يضمن بقائهم صلب الوظيفة العمومية وعند الحاجة.
– التخلص من هؤلاء الأعوان دون إجراءات مطوّلة في صورة عدم تلاؤمهم مع ظروف العمل بالإدارة.
غير أن هذه الإيجابيات لهذا الانتداب المباشر لا يجب أن تحجب عنّا:
– ضرب مبدأ احترام المساواة بين الراغبين في الدخول الى الوظيفة العمومية.
– الشبهات التي تعلقت بعديد الانتدابات المباشرة للأعوان الوقتيين من محاباة ومحسوبية…
– مبالغة عديد المصالح الإدارية في اللجوء الى الانتداب المباشر للأعوان الوقتيين…
وهو ما اضطر السلطات الإدارية إلى اتخاذ عديد الإجراءات للحدّ من هذه الظاهرة بشكل نسبي، وفي هذا الاطار نصّ الأمر 1936 لسنة 1998 المؤرخ في 02 أكتوبر 1998 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص للأعوان الوقتيين على:
– وجوب الحصول على ترخيص مسبق من الوزارة الأولى قبل القيام بعملية انتداب أي عون وقتي:
– وجوب الإشارة بقرارات انتداب الأعوان الوقتيين إلى:
- الصبغة الوقتية للانتداب وقابلية الرجوع فيها
- مدّة الانتداب في صورة تعويض عون مترسم لمدّة محدودة أو القيام بأعمال عرضية أو طارئة
- غرض الانتداب
– وجوب توفر كل شروط الانتداب العامّة والخاصّة المطلوبة من الأعوان القارين المنتمين لنفس الخطة.
هشاشة وضعية العون الوقتي.
وعليه فإن وظائف الأعوان الوقتيين يكون التعيين فيها مؤقتا في انتظار أن تشغل من قبل أعوان قارين وتتميز بصبغتها الوقتية حيث تعتبر دائما شاغرة ويجوز للإدارة أن تعتمدها من ضمن الخطط الشاغرة المخصّصة لانتداب الموظفين القارين. كما تتميز أيضا بقابلية الرجوع فيها في أي وقت وفقا لما تمليه ضرورة العمل بالمرفق العام التي يحدّدها رئيس الإدارة وبالتالي لا يمكن للعون الوقتي أن يتمسك قانونا بحق مكتسب في الإبقاء على تسميته بخطة غير قارّة من حيث الأساس.
وتتأكد هشاشة وضعية العون الوقتي في الوظيفة العمومية من خلال أحكام الفصل 102 من القانون عدد 112 لسنة 1983 المؤرخ في 12 ديسمبر 1983 المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية حيث نص على انه: ” تقدّر العقوبات من طرف رئيس الإدارة المعنية بناء على تقرير بحث بشأن الأفعال المنسوبة للعون وبعد الاستماع الى هذا الأخير ” أي دون الحاجة الى استشارة مجلس التأديب في العقوبات من الدرجة الثانية الخاصة بالعون الوقتي كالتوقف عن العمل مع الحرمان من الأجر ولمدّة لا تتجاوز شهرا أو العزل وفق أحكام الفصل 101 من القانون المذكور آنفا على خلاف أحكام الفصل 51 (جديد) من نفس القانون في وضعية الأعوان القارين والّذي نصّ على أنّه “تتخذ العقوبات من الدرجة الأولى بعد الاستماع الى الموظف المعني بالأمر ودون استشارة مجلس التأديب، ولا تتخذ العقوبات من الدرجة الثانية الّا بعد استشارة مجلس التأديب”. كما نص الفصل 52 من نفس القانون أن العون القار “يمكنه أن يقدم لمجلس التأديب ملاحظات كتابية أو شفاهية وأن يستحضر شهودا وأن يستعين بشخص يختاره للدفاع عنه…”
ترسيم وتسوية وضعية العون الوقتي
غير أن الوضع الاجتماعي الهش لهذه الفئة من الأعوان العمومين أصبح يمثل وسيلة ضغط على الإدارة العمومية لدفعها لانتدابهم كأعوان قارين أو لتمديد انتدابهم كأعوان وقتيين غير قارين أو اعتماد آلية العون الوقتي كصيغة تسبق التسوية النهائية لبعض وضعيات التشغيل الهش كعمال الحضائر.
وفي هذا الإطار نصّ الفصلان 11 و 12 من الأمر عدد 1936 لسنة 1998 المؤرخ في 02 أكتوبر 1998 والمتعلق بضبط النظام الأساسي الخاص بالأعوان الوقتيين للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية أنه :”يتمتع الأعوان الوقتيون بنفس عناصر التأجير المخولة للسلك الإداري المشترك”. “وأنه يمكن ترسيم الاعوان الوقتيين حسب الشروط التالية”:
- عن طريق امتحان مهني بالاختبار أو الشهائد أو الملفات يفتح للأعوان الوقتيين الذين قضوا خمس سنوات أقدمية على الأقل في الصنف عند تاريخ ختم الترشحات”…
- عن طريق الاختيار لفائدة الأعوان الوقتيين الّذين لهم عشر (10) سنوات أقدمية على الأقل في الصنف والمرسمين حسب الجدارة بقائمة كفاءة خاصة…”
و تندرج في هذا الاطار أيضا الأوامر الحكومية عدد 483 لسنة 2011 والمؤرخ في 7 ماي 2011 وكذلك الأمر عدد 228 لسنة 2018 المؤرخ في 6 مارس 2018 والأمر عدد 54 لسنة 2023 المؤرخ في 31 جانفي 2023… والمتعلقة جميعا بضبط أحكام استثنائية لترسيم الأعوان والعملة الوقتيين والمتعاقدين للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والمتضمنة ترسيم الأعوان الوقتيين عن طريق امتحان مهني بالملفات يفتح للأعوان الوقتين الذّين قضوا سنة على الأقل في الصنف من تاريخ ختم الترشحات وتحدّد هذه الأوامر آجال الترشحات للاختبارات والامتحانات المهنية للترسيم حسب تاريخ الأوامر…
أشكال التشغيل الهشة في الوظيفة العمومية
لم تتضمن احكام القانون الأساسي للوظيفة العمومية حق الانخراط بالوظيفة العمومية الا لمن تربطهم بمصالح الدولة علاقة مهنية ثابتة ووفق النصوص الجاري بها العمل ومن تصّرف أجورهم في إطار الميزانية العامة للدولة والمؤسسات الإدارية العمومية والجماعات العمومية وعليه يستثنى آلاف العاملين ممَن يتم تأجيرهم خارج نطاق الميزانية العامة للدولة في إطار أشكال مختلفة للتشغيل الهش على غرار المنتدبين على حساب الحضائر الوطنية والجهوية.
ومن نتائج ما سبق تجدر الإشارة الى التضخم العددي لأعوان الوظيفة العمومية، حيث مرّ عدد الأعوان العمومين من 336365 سنة 2007 ليبلغ 630 ألف عون عمومي سنة 2014 ليقترب من حدود الـ 700 ألف عون عمومي حاليا ولئن كان تضخم العاملين بالوظيفة العمومية نتيجة لتزايد حجم الأعمال واستحداث هياكل جديدة، فإن الأسباب الرئيسية لتزايد الموارد البشرية كان ايضا استجابة للضغوطات الاجتماعية والانتدابات الاستثنائية لفئات فقيرة وهشة وبأشكال هشة وما شابها من اخلالات ومنها:
– تسوية وضعية العاملين على حساب الحضائر القارة والمباشرين منذ سنة 2000 وإلى غاية سنة 2010…
– انتداب عمال المناولة في الوظيفة العمومية إثر اتفاق 21 أفريل 2011 بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل أفضى إلى انتداب حوالي 30 ألف عون عمومي.
– تسوية وضعية الأعوان الوقتيين صنف ب وأ MACA – MACB إثر اتفاقات بين النقابة العامّة للتعليم الثانوي بالاتحاد العام التونسي للشغل ووزارة التربية وكذلك إثر الاتفاقات المبرمة بين وزارة التربية والنقابة العامّة للتعليم الأساسي منذ سنة 1990 والمتضمنة إدماج عشرات الألاف من الأساتذة والمعلمين…
– تسوية وضعية المنتفعين بعقود الآلية 16 والبالغ عددهم قرابة الـ 22 ألف.
– استحثاث نسق الانتدابات بالقطاع العام مع تمييز حاملي الشهادات العليا الذين طالت بطالتهم من خلال قانون الانتدابات الاستثنائية (القانون عدد 04 لسنة 2012)
– انتدابات ذات بعد اجتماعي، انتداب أبناء العائلات التي لها 3 أبناء أو أكثر من حاملي الشهادات العليا العاطلين عن العمل.
– انتداب أبناء عائلات جرحى وشهداء الثورة والوطن والمنتفعين بالعفو العام.
– انتداب أعوان الآلية 20.
– مواصلة انتداب عمال الحضائر المنتدبين مباشرة في نطاق برامج التنمية الجهوية وبرامج الحضائر الفلاحية والّذين بلغ عددهم في موفي سنة 2016 أكثر من 85000 عاملا وعاملة موزعين بين 60.000 حضائر جهوية و25.000 حضائر فلاحية على دفعات اثر إضافة الفصل 18 مكرر لإتمام القانون عدد 112 لسنة 1983 المؤرخ في 12 ديسمبر 1983 الذي اعفى الانتداب المباشر لعملة الحضائر من صيغة المناظرة الخارجية بالملفات والاختبارات ووفق احكام الأمر الحكومي عدد 436 لسنة 2021 المؤرخ في 17 جوان 2021 المتعلق بإنهاء العمل بالية تشغيل عملة الحضائر الجهوية والحضائر الفلاحية في غير المجال المحدد لها وفي ذلك بلاغ رئاسة الحكومة عدد 5 لسنة 2025 المتعلق بتسوية وضعية عملة الحضائر الأقل من 45 سنة ونتائج عملية اختيار عملة الحضائر المنتمين للدفعة الرابعة………………..
– مقتضيات الأمر عدد 21 لسنة 2025 المؤرخ في 08 جانفي 2025 والمتعلق بإدماج المعلمين والأساتذة النواب بالمدارس الابتدائية وبالمدارس الإعدادية وبالمعاهد التابعة لوزارة التربية والذي سيشمل إدماج قرابة ال 25 ألف مدرس بين سنتي 2025 و2026 حسب تقديرات لوزارة المالية.
– إدماج حوالي 4000 من عمال شركة الاتصالية للخدمات ممن تتوفر فيهم شرط مباشرة العمل في إطار عقود المناولة لمدّة تجاوزت سنة على الأقل…إثر صدور الأمر عدد 327 لسنة 2025 المؤرخ في 17 جوان 2025 المتعلق بمنع المناولة في القطاع العام وحل شركة الاتصالية للخدمات.
– الأحكام الواردة بالقانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026 ومنها أحكام الفصل 57 المتعلق ببرنامج الانتداب المباشر لأصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم وأحكام الفصل 90 المتعلق بانتداب أعوان الآلية 16 من غير المباشرين والفصل 92 المتعلق بانتداب كل المرسمين بقوائم الانتظار بخطة مساعد صحي بوزارة الصحة والفصل 97 المتعلق بترسيم أعوان وعملة الاعتمادات المفوضة بوزارة الداخلية والفصل 100 المتعلق بترسيم عاملات النظافة بالبريد التونسي والفصل 101 المتعلق بترسيم المتعاقدين والعرضيين بالمستشفيات العمومية.
ختــــــــــــــــــــــــاما
تعتبر صيغة العون الوقتي شكلا من أشكال التشغيل الهش بما انها صيغة تضرب أساسا مفهوم الأمان والاستقرار الوظيفي ورغم المناشير العديدة الصادرة عن الوزير الأوّل للحدّ من المبالغة في اللجوء الى انتداب الأعوان الوقتيين على غرار المنشور عدد 33 المؤرخ في 15 اوت 1985 والمنشور عدد 44 المؤرخ في 11 أوت 1989 والمنشور عدد 49 المؤرخ في 28 نوفمبر 1990….
فقد تركزت الانتدابات على غير الصيغ المستوجبة وهي أساسا صيغة التناظر. فتضخم اعداد المنتدبين بأشكال التشغيل الهش ومنها التشغيل لإنجاز مشاريع معينة كانتداب الأعوان والعملة العرضيين والمتعاقدين وعمال الحضائر… وكذلك وفق آليات التشغيل الراجعة بالنظر لوزارة التشغيل كالآلية 16 والآلية 20… وعقود التربص للإعداد للحياة المهنية والتي بلغ عدد هذه العقود المبرمة لسنة 2025 حوالي 100 ألف حسب تصريح المدير العام للوكالة الوطنية للتشغيل يوم 16 سبتمبر 2025…
وفي إطار مكافحة أشكال التشغيل الهش في الوظيفة العمومية أكد ممثلو رئاسة الحكومة يوم الثلاثاء 15 أفريل 2025 الى لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية بمجلس نواب أن لجنة فنية برئاسة الحكومة متكونة من ممثلين من مختلف الوزارات المعنية تعمل على صياغة أمر لتسوية مختلف وضعيات التشغيل الهش باعتباره مسألة تحظى بأولوية ضمن عمل الحكومة تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية.
فمتى سيصدر الأمر الحكومي للقطع مع كافة أشكال التشغيل الهش في الوظيفة العمومية؟؟؟؟؟.