قراءة لقانون مراجعة مجلة الشغل

قراءة لقانون مراجعة مجلة الشغل

الهادي دحمان: خبير في الضمان الاجتماعي والعلاقات الشغلية

 

استأثر موضوع مراجعة مجلة الشغل الصادر بمقتضى القانون عدد 9 لسنة 2025 المؤرخ في 21 ماي 2025 والمتعلق اساسا بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة بجدل واسع خاصة قبل إعتماده رسميا والمصادقة عليه من طرف السلطة التشريعية والإمضاء النهائي  واصداره في شكل قانون بالرائد الرسمي عدد 61 / 2025.

وحيث بادرت الحكومة بطرح مشروع القانون وأرفقته بوثيقة شرح الأسباب بتاريخ 14 مارس 2025 و احالته على مجلس نواب الشعب في إطار تجسيم مقتضيات الفصل 46 من الدستور الذي يضمن لكل مواطن ومواطنة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل وإرساء مبادئ الدولة الاجتماعية الضامنة لكرامة مواطنيها والحامية لحقوقهم على قدم المساواة ودون تمييز.

وتجدر الإشارة الى ان مبادرة الحكومة جاءت بصفة أحادية وخارج سياق الحوار الاجتماعي والتفاوض مع الأطراف الاجتماعية ودون عرضها على أنظار المجلس الوطني للحوار الإجتماعي المؤهل إجرائيا لإبداء النظر في مثل هذه المقترحات التشريعية التي صنفتها الحكومة ضمن أهداف تجاوز الفراغ التشريعي فيما يتعلق باللجوء الى مناولة اليد العاملة من جهة وتفادي ما أقره المشرع من مرونة واسعة في مجال الاستخدام المباشر عبر نظام عقود الشغل المعينة المدة واللجوء المفرط للعقود الوقتية.

ولئن تعتبر مجلة الشغل الصادرة بمقتضى القانون عدد 27 المؤرخ في 30 أفريل 1966 من أهم مرجعيات التشريع الاجتماعي حيث جمّعت النصوص الأساسية لقانون الشغل في ظروف سياسية واقتصادية تميّزت بمركزية القرار لدى مؤسسات الدولة فى غياب حوار وطني حول مضمونها فإنها تحتاج الى تحيين و مراجعة و ملائمة تماشيا مع التغيرات الاجتماعية و تماهيا مع المواثيق الدولة .

ولم تعرف مجلة الشغل مراجعات الا في شكل جزئي خلال سنتي 1994 و 1996 بهدف تمرير جرعة ليبرالية جديدة في مجال مرونة الاستخدام دون العمل على تكريس مبادى العمل اللائق و مقوماته في علاقة بمشروع الاصلاح الهيكلي للاقتصاد التونسي وتيسير دخوله الى السوق التجارية الدولية. وتنامت بذلك اشكال التشغيل الهش نتيجة انتشار عقود العمل الوقتي ومحدد المدة في تعارض تام مع قيم العمل اللائق وفق الأحكام الدستورية والمعايير الدولية.

وحيث تم تصنيف مشروع قانون تنظيم عقود الشغل والمناولة من ضمن مكونات الثورة التشريعية الداعمة لأسس الدولة الإجتماعية من خلال حملة المناصرة للمبادرة الحكومية فإن القراءات التي رافقت المشروع تمحورت حول الجانب القانوني والإجرائي من خلال الحوارات سواء داخل فضاء المجلس النيابي أو عبر ما لازمه من تظاهرات دعائية رسمية   و جمعياتية عبر دراسات قانونية غير متعددة الاختصاصات.

والى جانب شكل الثورة التشريعية فقد تم التأكيد على صفة المراجعة الهيكلية الشاملة لمجلة الشغل بما يكفل شروط العمل اللائق وملائمة أحكام المجلة مع المعايير الدولية والمبادئ الدستورية بالقضاء على الهشاشة وتأمين الاستقرار المهني والوظيفي ومنع المناولة الى حد تجريمها . ويتبين موضوعيا أن مشروع القانون وصيغته النهائية الصادرة بمقتضى القانون المذكور يهم أساسا تنقيح الباب الأول الخاص بعقود الشغل وأن هذا التنقيح وعلى أهميته يمثل مراجعة جزئية للمجلة من أجل ضمان شروط العمل اللائق دون تكريس العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي لا يمكن تحقيق اهدافها الا من خلال مراجعة شاملة للتشريعات الشغلية تتناول جميع النصوص المنظمة للمسار المهني. وتشمل مجلة الشغل والاتفاقيات المشتركة الإطارية والقطاعية وسائر النصوص ذات العلاقة بالشغل والعلاقات المهنية والتشغيل والتكون المهني والحماية الاجتماعية.

ويتجلى بذلك أن المراجعة تسعى الى تحقيق  الانسياق مع المقتضيات الدستورية (الفصل 46) من جهة ومع المعايير الدولية وخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والإجتماعية والثقافية في تأمين مفهوم العمل اللائق . وتم بذلك تقديم القانون بمدى فاعليته في الانصهار في إستراتجية وطنية تكرس الإعتراف بالحق في العمل في ظروف لائقة في إطار سياسة اجتماعية استباقية للدولة حتى وإن جاء دون استشارة مسبقة مع المنظمات الممثلة لأصحاب العمل والعمال خاصة على ضوء مصادقة تونس على أهم اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي تلزم باتباع مسار الحوار الاجتماعي. ومن المفارقات أو التحديات المطروحة كذلك ما تناوله الأخصائيون بخصوص مدى فاعلية القانون في تحقيق التوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بخصوص مراعاة ظروف المؤسسات الصغرى والمتوسطة والتي تعتبر من أهم مكونات النسيج الاقتصادي الوطني خاصة في مجال عقود العمل الوقتية محددة المدّة حسب الاوضاع الداخلية للمؤسسة ومحيطها الاقتصادي والتجاري في بعدها الداخلي والاقليمي وفق آليات التحكم في الأزمات وإدارتها .

وفي نفس الإطار من التحليل المرجعي لفهم تناسق توقيت استصدار النص القانوني مع الأوضاع والظروف المحيطة على المستويين الوطني والدولي يمكن الإشارة الى المفارقة التاريخية التي تهم مدى تناسق الإجراءات مع ما تتطلبه المستجدات الخاصة في عالم الشغل والعمل بظهور أشكال جديدة مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة وعالم الذكاء الإصطناعي والعمل عن بعد وتنامي الاقتصاد اللامادي والموازي واللانمطي حيث تمثل هذه المتغييرات ثورة مفاهيمية تطرح تحديات مستجدة تتعارض مع صلابة التوجه العام لمراجعة مجلة الشغل الرامية الى التراجع المباشر عن كل التشريعات السابقة الميسرة لجرعة من المرونة في العلاقات التشغيلية المستجيبة لشروط تأهيل الاقتصاد التونسي للدخول الى نسق العولمة وفق معايير منظمة التجارة الدولية ومواصفات الحقبة النيوسيريالية .

تبرز إذا هذه المفارقة المترتبة عن الإتجاه العام لقانون الشغل الجديد الذي طرح إشكالية مزدوجة تتمثل في عدم توازي مسارين تاريخيين اثنين يسعى الأول الى الملاءمة مع المقتضيات الدستورية والاتفاقيات والصكوك الدولية بخصوص تأمين شروط العمل اللائق والأمان الوظيفي للعمال والاجراء من جهة وسبل تأمين ديمومة المؤسسة في عالم اقتصادي مهيمن تطغى عليه اشكال عمل وتنظيم جديدة ومقاييس مستحدثة لنظم الإنتاج والعلاقات المهنية المعولة واللامادية.

تنتهج القراءة النصية القانونية والتشريعية منهجا موحدا، رغم تنوع المشارب والمقاربات عبر التأكيد على مدى استجابة مراجعة مجلة الشغل للحاجة الى تدارك الفراغ التشريعي في موضوع المناولة في مجال ضمان حقوق العمال وتحصينها ضد مخاطر الهشاشة وفائض المرونة مع الدعوة الى تحقيق معادلة صعبة عمليا تخص الحفاظ على ديمومة المؤسسة في ظل واقع اقتصادي غير مناسب باعتبار المؤشرات الموضوعية ذات الصلة بمعدل نسبة النمو وكذلك مؤشرات التضخم والاستثمار والسلم الاجتماعي وقياسات الأسعار والمقدرة الشرائية والإنتاج والاستهلاك.

وحيث ان النوايا الطيبة قد لا تضع قوانين جيدة فإن إرادة القطع مع كل اشكال العمل الهش وغير اللائق قد يرفع تداعيات تهم الاستقرار الوظيفي للأجير من جهة ونمو المؤسسة من جهة ثانية. ولئن اقتصرت المراجعة على بابين يتعلق الأول بعقود الشغل ويهم الثاني منع المناولة بالإضافة الى الأحكام المختلفة والأحكام الإنتقالية بما جعلها ذات طابع جزئي على اهميته فإنّ تداعياتها تعتبر هيكلية وجديرة بالمتابعة والتقييم والتعديل عند الاقتضاء بعدم الاقتصار اولا على القراءة القانونية التشريعية بل برصد النتائج وتفعيل الأليات الرسمية لتأمين الاستعمال الأمثل والتطبيق الأنسب وصد التجاوزات وكل المناورات التي قد تؤدي إلى إفراغ النص من محتواه والانحراف به عن مبادئه وجعله مطية للتراجع عن مكاسب تتعلق بقيم الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة وخارجها وضمان الاستقرار المهني والوظيفي وتامين العبور السلس من وضعية تتسم بالمرونة إلى حقبة حمائية تستوجب مرافقة ميدانية من طرف الأجهزة الرقابية للدولة والتي تتمثل في جهازي تفقدية  الشغل و سلك الرقابة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الملحقين تنظيميا بوزارة الشؤون الاجتماعية صاحبة المبادرة التشريعية تحت غطاء السلطة التنفيدية.

وتتضمن وثيقة شرح الأسباب المرافقة لمشروع النص المؤيدات الأساسية للمقترح الذي لم تغيره جوهريا أعمال اللجنة المختصة ولا مداولات المجلس النيابي، تبويبا منهجيا للفصول الجديدة سواء بإلغاء القديمة من باب عقود الشغل أو تعديلها بالجديد في صغية والمفهوم الأصلي حتى الوصول إلى الباب الثاني الخاص بمنع المناولة حد تجريمها ضمن فصول جديدة تشمل التعريف بالمصطلحات وتحديد الإجراءات وضبط الموانع والعقوبات المالية والسالبة للحرية (سجنية) وامكانية مراكمتها بالإضافة إلى الضمانات الاجرائية لفائدة الأجراء والعاملين بالشركات المستفيدة والمسدية والقضاء على الوساطة .

و يتجلى مما سبق تقديمه أن الأهداف المعلنة من التعديل وعلى أهميته تبقى جزئية في معالجة مظاهر الشغل الهش وتحقيق إرساء شروط العمل اللائق بما يكفل الاستقرار الوظيفي والعدالة الاجتماعية و التقليص من التقاضي و التظلم عبر مراجعة شاملة للتشريعات الشغلية أساسا  و الاجتماعية عموما التي تشمل المسار المهني ومجلة الشغل و الاتفاقية المشتركة الإطارية والإتفاقيات المشتركة القطاعية وسائر النصوص ذات الصلة بالشغل والعلاقات المهنية  والتكوين المهني والحماية الاجتماعية.

وبالرجوع الى جوهر المراجعة فإن التعديل أرجع الأمور إلى نصابها وألغى المرونة التي تم إدخالها بسنة 1996 بخصوص مفهوم عقد الشغل الذي أصبح في أصله غير محدد المدة قياسا  بما هو معتمد بالتشريعات المقارنة المطابقة للاتفاقيات والمواثيق الدولية. ودون الخوض في تفاصيل الاستثناءات وتحديد فترة التجربة التي تم توحيدها دون مبرر موضوعي باعتبار خصوصيات الاسلاك المهنية فإن تفاصيل النص الجديد لم تتخذ الإجراءات اللازمة بخصوص حالات تعويض عامل متغيب أو عند توقف تنفيذ عقد الشغل وخاصة في حالة إضراب قانوني بما يجيز التعسف والمساس بحق الإضراب فيما كان يستوجب التنصيص على استثناء في غير حالة الإضراب.

كما أن حذف بعض الحالات القانونية التي تجيز اللجوء الى عقود الشغل محددة المدة لا يتماشى مع خصوصية حاجيات  المؤسسة خاصة في بداياتها ويتعارض مع دوافع  التحفيز على الاستثمار مما يدعو الى التساؤل حول جدوى مثل هذه الاختصارات التي كان يمكن معالجتها بتحديد المدة القصوى لتركيز المؤسسة خاصة في مجالات عمل مستحدثة تعتمد اليات الإنتاج حسب عقود برامج وأهداف والأعمال الموسمية الخاصة بطبيعة بعض قطاعات النشاط حيث ذهبت بعض التشاريع المقارنة الى اعتماد شكل جديد من العقود الموسمية التي تتحول الى عقد موسمي قار يتمدد على فترة زمانية محددة سنويا بحيث يصبح الأجير مترسما في  نشاطه الموسمي ودون الحاجة الى ابرام عقد شغل جديد في كل موسم.

ومن مميزات عقد الشغل حسب القانون الجديد ضرورة ابرامه كتابيا لمدة معنية مع التنصيص على أن عدم التنصيص على مدة العقد أو حالة الاستثناء تعتبر العقد مبرما لمدة غير معنية.

وهي ضمانة هامة لصالح الاجير بإضافة شرط الكتابة التي كانت من أولى مطالب الاتحاد العام التونسي للشغل الذي دعا كذلك إلى ضرورة إعداد نموذج مرجعي للعقد محدد المدة يتضمن التّنصيصات الواضحة والدقيقة بما يكفل حقوق العامل ويضبط واجباته درءا لكل احتمالات التحايل على النص و حرصا على الحد من النزاعات الشّغلية التي ترهق القضاء والمتقاضين. ويؤسس هذا الشرط الى مكسب إضافي يتمثل في احتساب الأقدمية المكتسبة عند تحول العقد في صيغته محددة المدة الى الترسيم او العقد النهائي غير محدد المدة زيادة على مبدأ الأولوية في الانتداب . كما وفّر القانون الجديد فرصة استثنائية لصالح الأجير حيث نصَ الفصل 17 الجديد على أنه إذا واصل الأجير تقديم خدماته بعد انقضاء مدة العقد محدود المدة يتحول الى عقد غير محدد المدة و يحافظ الأجير على أقدميته المكتسبة ودون إخضاعه الى فترة تجربة .

وفي علاقة تكاملية بين مقتضيات عقد الشغل من جهة وإجراءات منع المناولة من جهة ثانية ومن أجل التصدي الى  الخروقات الممكنة نصّ الفصل التاسع من الأحكام الانتقالية على تاريخ مرجعي بمفعول رجعي ينطلق بداية من 6 مارس 2024 والى غاية دخول القانون حيز النفاذ بإن اعتبر  إنهاء عقود الشغل معنية المدة سواء من قبل المؤجر أو تبعا لمنع المناولة موجبا لترسيم الأجير بقوة القانون مع إضافة ضمانة إمكانية المطالبة بغرامة إعفاء في صورة مماطلة المؤجر أو المؤسسة المستفيدة . ويعتبر بذلك القانون الجديد إقرارا صريحا بأنّ عقد الشغل لمدّة غير معنية هو الأصل وأن الاستثناء هو ابرام عقود معنية المدة حسب شروط وضمانات. كما ألزم القانون الصبغة الكتابية أي اشتراط الكتابة وفق الفصل 6-4 ( جديد ) الذي نص على أن عقد الشغل لمدة معنية يجب ان يبرم كتابيا وفي صورة عدم احترام شرط الكتابة او عدم التنصيص على مدة العقد أو حالة الاستثناء يعتبر العقد مبرما لمدة غير معنية. ويعتبر هذا الأمر ايجابي بتجنب اللبس حول طبيعة العقد حيث يكون الأجير على بينة من وضعيته كعامل وقتي بالإضافة إلى إيجابية التنصيص صلب عند الشغل المعين المحبين المدة على الحالة الاستثنائية التي بررت اللجوء إليه .

ويمكين التأكيد في هذا الاتجاه على الطابع الإيجابي لاشتراط الكتابة وما تتضمنه من ضمانات إضافية للأجير بأن يسد الباب أمام إمكانيات التحايل على النص وتفادي النزاعات الشغلية المتواترة على أنه كان من الأجدر إتمام المسار باعتماد نموذج لعقد الشغل محدود المدة الذي طالبت به الأطراف الاجتماعية وتحديدا الاتحاد العام التونسي للشغل. كما أن الفصل 6 – 4 جديد المذكور اعلاه منع ابرام عقد الشغل محدد المدة الاّ في حالات استثنائية حصرية أوقفها في ثلاث حيث ألغى حالتين كان يجوز فيهما اللجوء الى عقد محدد المدّة وهما حالة القيام بأشغال اولى لتركيز المؤسسة وحالة القيام بأشغال متأكدة لتفادي حوادث محققة أو تنفيذ عمليات إنقاذ لتصليح خلل بالمعدات أو تجهيزات او بناءات المؤسسة. ولقد تم تبرير المراجعة بإرادة التجميع والاقتصار على اهم الفرضيات المرتبطة بالنشاط الأساسي والرئيسي للمؤسسة على أن هذا الاختيار مقارنة بالنّص الأصلي لمجلة الشغل قد تكون له تأثيرات عكسية على مستوى مواطن الشغل والإحداثات الإضافية خاصة وأن التوجه الجديد لا يخدم ضرورة أهداف وديمومة الشغل وشروط العمل اللائق.

ويجب التنويه من ناحية ثانية بمزايا الغاء النظام الاستثنائي والتمييزي القاضي بتفضيل عقد الشغل لمدة معنية في المناطق الاقتصادية الحرة الذي جاء به القانون التعديلي لسنة 1992 وصيغته المنقحة سنة 1994 و 2001 والذي نصّ على أن العقود المبرمة بتلك المناطق تكون معنية المدة مهما كان شكلها او مدتها أو صيغ تنفيذها . وعلى أهميته من حيث الضمانات فإن النّص الجديد أخذ طابعا تحديديا في اختصاره على اشكال تعاقد دون أخرى تستجيب للمتطلبات الجديدة لسوق الشغل والأنماط المستحدثة للعمل بمقتضى عقود مرنة في مفهومها وضامنة لأوسع الحقوق على غرار تنظيم العمل لفترات متقطعة أو العقود الموسمية للأجير مع نفس المؤجر لفترات طويلة من كل سنة حيث نصت بعض التشاريع المقارنة على مفهوم العقد الموسمي القار بحيث يصبح الأجير مترسما في نشاطه الموسمي دون الحاجة الى ابرام عقد شغل جديد بعنوان كل موسم . وبالإضافة إلى صيغة عقود الشغل فإن الضمانات المترتبة عن التشريع الجديد تكفل تقاضي العملة المنتدبون بمقتضى عقود شغل لمدة معنية أجورا أساسية ومنحا لا تقل عن تلك المسندة بمقتضى امتيازات او اتفاقات للعملة القارين من ذوي نفس الاختصاص المهني .

استأثرت مسألة فترة التجرية بجدل كبير واختلاف في  وجهات النظر خاصة وقد تم توحيدها و الإبقاء على مدتها الواردة بالاتفاقيات المشتركة بالنسبة للأعوان من صنف التنفيذ والتقليص بالنسبة لأعوان التأطر و للإطارات فيما تذهب أغلب القراءات الى ضرورة تحديد فترة التجرية حسب التصنيف المهني والمستوى التعليمي والمؤهلات التكوينية . وبالتوازي مع المقاربة التشريعية والقانونية لمجلة الشغل في صيغتها الجديدة بمقتضى التعديلات فإن القراءة متعددة الاختصاصات من شأنها رصد التغيرات المورفولوجية والسوسيولوجية المترتبة عنها والمتعلقة بالمرامي والأهداف من المراجعة التجزئية لنص يكون له الأثر العميق على العلاقات الشّغلية والمجتمعية عموما .

ويستوجب هذا الأمر توفر المعطيات الإحصائية الكمية والنوعية التي تتكفل بها الأجهزة الرسمية للإدارة وكذلك مراكز المتابعة والدراسات الميدانية لكل مكونات المجتمع المدني والنقابات والمنظمات ذات الصلة بما يدعو إلي إيجاد قاعدة بيانات حيوية وتفاعلية تكون الأرضية المثلى للتقييم والتعديل والمراجعة عبر مسار الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج التي وقع تغييبها لأسباب خارج مجال الشفافية و الحكومة التي تبقى المقاس الأجدر بإرساء منظومات قانونية متناسقة ومستقبلية ضمانا للاستقرار الوظيفي والسلم الاجتماعية وديمومة المؤسسة باعتبارها نواة الاستثمار وأحد روافد التنمية المستدامة .

المعادلة صعبة وتعتبر تحديا مطروحا على الدولة وكذلك الأطراف الاجتماعية وأطراف الإنتاج وتتمثل في كيفية ضمان موازنة بين حاجة المؤسسة لهامش من المرونة تضمن ديمومتها من جهة وتكفل حقوق الإجراء في الأمان الوظيفي والعمل اللائق؟

وحيث جاء نص مراجعة مجلة الشغل في بابي تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة في سياق تاريخي واجتماعي واقتصادي دقيق فإن تحقيق المعادلة المشار إليها أنفا يتجاوز الإرادة في إنفاذ القانون الجديد ليبلغ جاهزية الهياكل التنفيذية والرقابية ومدى قدرتها على الإيفاء بدورها التعديلي بصفة محايدة وموضوعية. إن العمل على تطوير تشريعنا الوطني في هذا المجال تماشيا مع المعايير الدولية والاستجابة الي مدى مطابقتها مع مقتضيات الاتفاقيات التي صادقت عليها تونس يعد أمرا جد إيجابي لكنه يتطلب كذلك اعتماد رافعة الحوار الاجتماعي  وأهداف العدالة الاجتماعية وإصلاح منظومات التأجير والجباية والحماية الاجتماعية وآليات الدعم والتعويض بما من شأنه دفع التنمية  والتقليص من البطالة وإدماج الاقتصاد الموازي والقضاء على أسباب هشاشة الشغل واستغلال اليد العاملة سواء من بين المتعاقدين أو عبر المناولة أو كافة أشكال التوظيف خارج القانون ودون احترام الحقوق الأساسية للأجير والمستخدم.

ولئن تناول المختصون في قانون الشغل على غرار سناء السوسي و حاتم قطران والنوري مزيد وحافظ العموري هذه المسائل التفصيلية التشريعية سواء عند طرح مشروع الحكومة او بعد إصدار القانون الخاص بمجلة الشغل فإن القراءات وعلى عمقها المعرفي بقيت أحادية وطغت عليها الصبغة الدراسية النظرية رغم ما تخللها من إشارات إلي التداعيات الفعلية للتشريع الجديد .

ويبقى غياب التحليل السوسيولوجي والدراسات الاجتماعية بكافة فروعها ملفتا وغير مرتقب بالمرة ذلك أن مثل هذه التشريعات توفر قاعدة مخبرية للعمل الميداني حتى في غياب وفرة المعطيات الإحصائية الرسمية المغيبة سواء ضمن وثيقة شرح الأسباب أو عند مداولات المجلس النيابي التي دارت خارج إطار المؤشرات الدلالية او الدوافع الموضوعية لكل إجراء مقترح في تماهي مع الديناميكية الاجتماعية / المجتمعية . ولعل ما يفسر استقطاب مسألة المناولة للرأي العام ووسائل الإعلام والإتصال ما حاز مقترح الحكومة في القضاء على المناولة وتجريمها من إهتمام الفاعلين والموجهين السياسيين الذين أطنبوا في محاولة تفكيك المفهوم بالتأكيد على الصحوة بوجود شرائح عمالية  لا تتمتع بالحد الأدنى من الحقوق ( أعوان المناولة – عمال الحضائر.  المنتفعون بأليات عقود الشغل و التربص والتكوين …)  وهي آليات تشغيل تخضع الى تشريعات تم اقرارها رسميا وتستعملها الدولة ومؤسساتها منذ عقود و بقيت خارج مدار المفاوضات الاجتماعية والتسويات الآنية وذلك منذ دخول تونس مجال الاصلاح الاقتصادي الهيكلي وما تبعه من مظاهر مرونة التوظيف والاستخدام .

وبالرجوع إلى فصول القانون عدد 9 لسنة 2025 المؤرخ في 21 ماي  2025 والمتعلق  بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة يتبين مدى أهمية الحيز الذي ناله الباب الثاني منه الخاص بمنع المناولة في عنوان مباشر و صريح مقارنة بالباب الأول الذي ورد في شكل عام تحت يافطة تنظيم عقود الشغل. يستهل الباب الثاني من القانون الجديد بالفصل 2 الذي الغى كليا احكام العنوان الثاني من الكتاب الأول من مجلة الشغل و تعويضه بأحكام جديدة دون تعديل أو ترميم حيث وردت المقتضيات المستحدثة في شكل مطول نسبيا بالإطناب في منع المناولة حدّ تجريمها بعقوبة سجنية إضافة إلى الخطايا في صورة العود بمخالفة الفصل 28 الذي جرم إجارة اليد العاملة ووضعها من طرف المؤسسة المؤجرة على ذمة المؤسسة المستفيدة و هو ما يعد مناولة لليد العاملة.

كما حدد الفصل 30 (جديد) إمكانيات ابرام عقود كتابية مع مؤسسة لإسداء خدمات او للقيام بأشغال بين ما أسماه المؤسسة المستفيدة مقابل المؤسسة المسدية وهو التمشي الذي دعمته الاحكام المختلفة و الانتقالية من القانون . و مع ضوابط منع المناولة ترك القانون إمكانية لجوء الشركة المستفيدة الى التعاقد مع الشركة المسدية في حالة ما اذا تطلبت الاشغال موضوع العقد معارف او مهارات مهنية وفنية و تخصصا لا يتعلق بالنشاط الأساسي للشركة أو المؤسسة المستفيدة مع إشتراط يستوجب الا يخضع عملة الشركة المسدية لإدارة و مراقبة الشركة المستفيدة. و في صورة عدم التقيد بهذين الشرطين تعتبر الشركة المتعاقد معها شركة مناولة لليد العاملة بما يعرض المؤسسة المستفيدة الى العقوبات المشار اليها آنفا .

و يتدعم هذا التوجه الحمائي للعمال بإلزام الشركة المسدية بأثبات دفع الأجور و المساهمات بعنوان الضمان الاجتماعي مع إمكانية حلول المحل في صورة عدم القدرة على دفع كامل تلك المستحقات بالإستناد كذلك على الضمان المالي المدفوع مسبقا للغرض. كما اوجب القانون الشركة المستفيدة بمراقبة وضمان شروط الصحة والسلامة المهنية وقواعد العمل وصولا الى تطبيق نظام التأجير الخاص بها على أعوان الشركة المسدية في غياب نظام تأجير قطاعي او خاص يخضع له منظوريها. وبالرغم مما ذهب اليه الاخصائيون بدعوتهم الى ضرورة تحديد بعض المفاهيم القانونية الواردة بالنص والتي اعتبروها حمالة أوجه وقد تفتح باب التحايل على المفهوم الأصلي للقانون فان الإجراءات الإيجابية تمثل رافدا لضمان الحقوق الأساسية للأجير الذي يضطر غالبا الى القضاء قصد انصافه في حالة جور المؤجر او عدم التزامه بمقتضيات عقد الشغل ان وجد او التقصير في التصريح بالأجر الحقيقي لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (او عدم التصريح أصلا).

و لئن كانت المسؤولية مشتركة في هذه الحالة و تشمل كذلك هياكل الرقابة و ممثلي العمّال باللجان و النقابات فان مسلك التقاضي يتسم بالتعقيد و التمطيط الى جانب ندرة الاختصاص في الشّأن لدى السلك القضائي و هيئات الدفاع بما يفسر عدم تجانس الاحكام و القابلية للتأويل و الطعن و صعوبة التنفيذ و تعقيدات إجراءات تحديد المسؤولية .و يمكن الإشارة بهذا الصدد الى الضمان التكميلي الذي يوفره الفصل 30 ( سادسا ) اذا تعدد المتدخلون في علاقة شغلية فانهم يعتبرون مسؤولين فيما بينهم بالتضامن تجاه العامل في الوفاء بالالتزامات الناشئة عن تطبيق قانون الشغل بما يحمي العامل من تمييع المسؤولية في حالة تعدد المشغلين او تراكب العلاقات الشغلية ( العمل الفلاحي – البحارة – البناء …) .

و من مواضع اللبس التي لحقت القانون الجديد الخيط الرقيق الفاصل دون وضوح تام و الذي يخص الفارق المميز بين شكلي المناولة و هما مناولة اليد العاملة و مناولة النشاط حيث يعني الأول ابرام عقود بين مؤسستين ينحصر مجالها في تكفل مؤسسة المناولة بإنتداب عمال قصد وضعهم على ذمة المؤسسة المستفيدة فيما يستوجب الشكل الثاني انجاز اشغال او تنفيذ  خدمات من طرف الشركة المسدية لفائدة نظيرتها المستفيدة مقابل ثمن تعاقدي. ولقد جاء القانون الجديد بإحكام تلغي مناولة اليد العاملة طبقا للفصل 28 ( جديد ) دون التمييز بين المقاصد الربحية أو المتاجرة باليد العاملة وعلى حساب مصالح العمال وما يمكن ان يدخل تحت يافطة خدمات العمل الوقتي وهي صيغ لا تمنعها منظمة العمل الدولية بصفة مطلقة حيث تجيز مرونة  طبق الإتفاقية رقم 181 لسنة 1997 التي لم تصادق عليها تونس.  وهي المرونة النسبية التي اقترحها الأخصائيون من حيث استثناء اللجوء إلى إعارة اليد العاملة لأسباب غير ربحية. وتبقى في النهاية الأحكام المتعلقة  بالعقوبات السجنية المتراكبة مع الخطايا محل جدال قانوني بخصوص مراميها وجدواها من حيث دفع الاستثمار والتشغيل مع الحاجة الى الحماية والردع دون إفراط .

اما من الناحية العملية فإن المناصرة أو الحملة الدعائية التي رافقت مشروع القانون فقد استندت على مفهوم الدولة الاجتماعية والبرنامج الرئاسي  الذي حدد التاريخ المرجعي بمفعول رجعي لإنفاذ المشروع بداية من 14 مارس 2025 وفق ما ورد بالفصل 6 ، من الاحكام الانتقالية. وعليه فإن الفئات العمالية المعنية بالترسيم بقوة القانون شملت العاملين وفق عقود معينة المدة بتاريخ النفاذ ونظرائهم العاملين بصفة مسترسلة أو الذين تم قطع عقود شغلهم بعد 14 مارس 2025.  وتشمل بذلك عملية الترسيم كافة العاملية لمدة 4 سنوات وأكثر مسترسلة وفق عقود معنية المدة بمن فيهم الحراس وعاملات التنظيف في إطار المناولة بتاريخ النفاذ وهي الشريحة التي كانت موضوع جدل ومناصرة برلمانية ونقابية .

ولقد لحق تطبيق القانون عدد 9 لسنة 2025 صدور الأمر عدد 327 لسنة 2025 المتعلق بمنع المناولة في القطاع العام وحلّ شركة الإتصالية للخدمات وهو استكمال لتنقيح مجلة الشغل  التي منعت المناولة وجرمتها في القطاع الخاص وفق ما تم  وصفه بالمسار التحريري للقضاء على أشكال العمل الهش في القطاعين العمومي والخاص ولا يعتبر هذا الأمر نصا تطبيقيا للقانون عدد 9 ذلك ان موضوعه أوسع من موضوع القانون بما أنه حل شركة الاتصالية ذات المساهمة العمومية التي تعمل في مجال المناولة لليد العاملة والتي توظف لفائدة مؤسسات ومنشآت القطاع العام. ويمكن بذلك القول ان القانون عدد 9 والامر عدد 327  الصادران سنة 2025 قد كرسا مبدأ ” للعمل القار عقد قار ” وقاعدة  “للعمل غير القار عقد غير قار” مع منع مناولة اليد العاملة التي اصبحت شكلا من الإسترقاق والسمسرة التي تكاد ترتقي الى أشكال الإتجار بالبشر ومستوى الجريمة.

وللتأكيد على الجانب الإجرائي والسياسي للقانون عدد 9 لسنة 2025 فإنه يمكن التنصيص على معنى المفعول الرجعي لإنفاذه سواء من خلال أحكام الفصل 6 من باب الاحكام الانتقالية بخصوص تحويل العقود معيّنة المدة غير المشمولة بالحالات الاستثنائية إلى عقود غير معينة المدة دون اعتبار لآجال إنتهائها أو إنهاء الأعمال موضوع العقد بانطباقها على العقود المبرمة قبل دخول القانون حيز النفاذ والتي لا تزال جارية التنفيذ أو التي تم قطعها بعد تاريخ 14 مارس 2025 ( التاريخ المذكور آنفا ) وهو المعنى الذي إعتمده الفصل التاسع من الأحكام الإنتقالية الذي أقر ترسيم الأجير بقوة القانون لدى المؤجر أو لدى المؤسسة المستفيدة بداية من تاريخ 6 مارس 2024 والى غاية دخول القانون حيز التنفيذ بالنسبة للعقود معينة المدة التي تم إنهاؤها من قبل المؤجر أو تبعا لمنع المناولة إذا بلغت مدّة العلاقة الشغلية أربع سنوات أو أكثر مع ضمان حق الأجير في غرامة الإعفاء في صورة المماطلة .  كما أمهل القانون المؤسسة القائمة بتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ مدة أقصاها ثلاثة أشهر حتى تقوم بتسوية وضعيتها طبقا لأحكام مجلة الشغل. وفي هذه الحالة فإن غرامة المماطلة في ترسيم الأجير لا نفع لها في حدها الأدنى الذي لا يقل عن أجرة أربع أشهر وذلك عبر تكريس مبدأ التعويض المالي دون الوصول إلى وجوبية الترسيم الذي يعتبر من أهم نقاط ضعف التشريع الشغلي في تونس مقارنة بالقوانين المعتمدة بالدول الأخرى .

وحيث تحرص النقابات العمالية ومنها الاتحاد العام التونسي للشغل على ضرورة الدفع نحو مراجعة التشريع الخاص بمجالات إنهاء عقود الشغل والطرد بصفة تعسفية بما يضمن الحق في العودة إلى العمل وعدم الاكتفاء بالتعويض المالي بمقتضى أحكام قضائية بالغة التعقيد وطول إجراءات التنفيذ وكلفتها حيث يكون الأجير ضحية المسالك والتشتت المرجعي في مادتي النزاع الشغلي والضمان الاجتماعي.

بعد التعرض الى حيثيات القانون عدد 9 لسنة 2025 وفي علاقة بالتوجه العام للتشريع الاجتماعي في مادتي الشغل والضمان الاجتماعي  سواء بمقتضى النصوص القانونية أو كذلك من خلال قانون المالية للسنوات الأخيرة، يتجلى من المتابعة مدى حرص المشرع على إدخال جرعات إصلاحية وتعديلية ترمي إلى ترميم المرجعيات دون العمل على المراجعة الهيكلية التي تستجيب الى المتغيرات المجتمعية والخاصيات الفعلية لسوق الشغل ومورفولوجيا عالم العمل بأشكاله الكونية وما يحيط بها من اتفاقيات دولية وصكوك عالمية تتطلب الملاءمة والتجانس في إطار استراتيجية وطنية تقوم على الحوار الاجتماعي وتفعيل هياكله وأساسا المجلس الوطني للحوار الاجتماعي المؤهل لإبداء الرأي بخصوص الإجراءات ومشاريع القوانين ذات الصلة بمهامه التي تم تعليقها وتعطيل هياكله ولجانه الممثلة للأطراف الاجتماعية. قد يكون ذلك المجلس محل اختلاف بخصوص ثقله التنظيمي وآليات تركيبته وهامش استقلاليته عن السلط الإدارية حيث يمكن تبسيط الإجراءات وتخفيف أساليب العمل سواء من حيث التكوين أو المهام لكن لا يجوز أبدا تعطيل هيكل تعديلي ناتج عن مسار العقد الاجتماعي وبفضل الحوار الاجتماعي صمام الأمان وحجر الزاوية للممارسة الديمقراطية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

تحتاج الترسانة القانونية بتونس الى المراجعة القادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة وملاءمة نصوصها وتبسيط إجراءات التشريع والتقاضي بإدخال مفاهيم وآليات جديدة على غرار الوساطة في مجال النزاعات الشغلية وتمكين الهياكل الرقابية الإدارية من حيّز استقلالية تخول لها النجاعة والفاعلية. ولقد برزت هذه الحاجة عند مراجعة مجلة الشغل وما تطلبته من متابعة ومراقبة ومرافقة لجحافل العمّال الذين تضرروا من تداعيات تطبيق القانون أحادي الجانب والمفتقد الى الإجراءات المرافقة اعتبارا للصبغة الانتقالية للتشريع الاجتماعي

وحيث لم تتوفر القاعدة البيانية والأجهزة التنفيذية فقد شاب الّنص القانوني نقائص إجرائية خوّلت التحايل وتواتر القرارات التعسفية بإنهاء العلاقة الشغلية التعاقدية أو المماطلة في تطبيق القانون بخصوص تحويل عقود الشغل ومنع المناولة وتأمين ظروف العمل اللائق وشروطه. تزامن صدور القانون مع تعطيل الحوار الاجتماعي من جهة وتهميش دور النقابات واللجان العمالية وكذلك استفحال ظاهرة الاقتصاد الموازي والأزمة الاقتصادية التي تترجم تمادي تدني مؤشرات النمو والتضخم المالي والاقتصادي وتراجع المقدرة الشرائية وتدحرج موقع الطبقة الوسطى وتشكل مجتمع هرمي بقطبين أساسين مع منحى التهرم العمراني والسكاني ومظاهر الهجرة في الاتجاهين. وهي تحديات تتجاوز طاقة الاقتصاد التونسي الذي لا يزال يتحمل آثار العديد من الأزمات المتتالية التي عرفناها ويعرفها على المستوين الوطني والعالمي.

لقد انتفع قسم هام من العمّال والأجراء بمزايا القانون الخاص بمراجعة مجلة الشغل وبعض التشاريع الاجتماعية لكن النتائج بقيت محدودة نتيجة طبيعة التعديلات والتشاريع التي تحتاج بدورها إلى استصدار النصوص التطبيقية على غرار حقوق العاملات الفلاحيات بخصوص طبيعة العمل والتأجير والحماية الاجتماعية والنقل بالإضافة الى مصير آليات تشغيل من دامت بطالتهم من حاملي الشهادات الجامعية العليا وغيرها من محامل ما يسمى الدولة الاجتماعية. هناك العديد من الفئات المهمشة وأخرى مغيّبة على غرار العمّال الوقتين والعمّال الفلاحيين وعمّال الحضائر وعمّال المناولة. التهميش ناتج عن النقائص التي تعرفها المنظومة التشريعية ومجلة الشغل تحديدا خاصة وأنها لم تواكب الواقع المتغيّر وما يعرفه عالم الشغل من تحوّلات وبروز أشكال جديدة من العمل والعملة.  وتشمل مظاهر التهميش أنظمة التأجير وكذلك شروط الصحة والسلامة المهنية والحقوق الجماعية (التمثيل النقابي – اللجان الاستشارية..) خاصة بالنسبة للعملة الفلاحين والعملة الموسميين والعاملين عن بعد وعمال المنصات وكل تمظهرات العمل اللامادي والمشتغلين بالاقتصاد الموازي الخارج عن المفهوم النمطي للعمل (التنظيم القطاعي – الحماية الاجتماعية – الجباية…).

واذ يقتضي الواجب العمل على تحصين هذه الفئات ضد مخاطر العمل الهش وحماية ذوي الاحتياجات الخصوصية عبر الإدماج المهني والاجتماعي بإدراجهم ضمن التشريع الشغلي فإن الحل يكمن في مراجعة شاملة تضمن التناسق وتوحيد المرجعيات وتبسيط الاجراءات واعتماد إستراتيجية وطنية تقوم على الحوار والتفاعل الايجابي مع المقترحات والتوصيات التي ما انفكت الأطراف الاجتماعية وهياكل المجتمع المدني تطالب بها وتسعى إلى تطوير التشريع بخصوصها.

ومهما كانت مزايا مراجعة مجلة الشغل في بابي عقود الشغل ومنع المناولة فإن التداعيات الناجمة عنها تحتاج الى تقييم علمي وموضوعي خاصة امام الإخلالات المسجلة والثغرات المتاحة أمام ارباب العمل بخصوص ترسيم العمال ثم المبادرة بطردهم وإنهاء عقود شغلهم نظرا لضعف إمكانيات الدفاع والاقتصار على التعويض والمكافئة المالية. لقد تم تسجيل تجاوزات خطيرة أثرت سلبا على مصير الأجراء والعمال وقذفت بهم في سوق البطالة الدائمة بما يزيد في هامش الفقر والتهميش الاجتماعي والاقتصادي في ظل الأزمة الاقتصادية و انحسار الاستثمار وضعف التشغيلية في القطاع الخاص المبني على شبكة المؤسسات الصغرى والمتوسطة اللي تضررت جراء قوانين الشيكات والتعامل نقدا والسيولة المالية.

في هذا الإطار كانت الوضعية تستوجب تشخيصا دقيقا للترسانة التشريعية وإنشاء مشاورات وحوار مع الأطراف والاختصاصات المتنوعة ذات الصلة مع دراسة الامكانيات الذاتية من حيث التمويل ورصد المخاطر و منه تحديد الأولويات وسن قوانين قابلة للتطبيق بكل نصوصها المرافقة والمتجانسة مع توظيف هياكل المراقبة والمرافقة لإنفاذ القانون في انتظار تكوين قاعدة بيانات واستغلالها للتقييم حسب مؤشرات موضوعية تدعم المصداقية والشفافية والحوكمة .

أين نحن من هذا ؟

المفارقة أن العديد من النصوص التشريعية لم تكتمل من الناحية الإجرائية ولا تلوح في الأفق ارادة تقييم واستخلاص الدروس قصد التعديل عند الاقتضاء سواء من حيث تحقيق أهداف مراجعة مجلة الشغل وغيرها من القوانين أو برفع التحفظ على نشر المعطيات الكمية والاحصائية حول المنتفعين بمزايا الترسيم بمقتضى تغيير صيغة عقود الشغل أو منع المناولة في القطاعين العام والخاص . وحيث برزت بداية ردود فعل نقدية وتقييمية بهذا الصدد فان العبرة تدعونا إلى ضرورة انتهاج استراتيجية عمل وإصلاح قائمة على الأهداف الكبرى وما تتطلبه الوضعية التراكمية من اصلاحات تشمل السياسات الاجتماعية والاقتصادية ومنظوماتها من جباية وضمان إجتماعي مرورا بآليات الدعم والتعويض  والتحويلات الإجتماعية بصفة عامة بتصويبها وصولا الى معالجة واقع المؤسسات والمنشآت العمومية التي عانت التوظيف والإهمال وأصبحت مصدر استنزاف للموارد باختلال  توازناتها المالية وضعف المردودية على حساب التنمية الشاملة والمستدامة المرتكزة على منوال اجتماعي نبراسه الدولة الإجتماعية في مفهومها الصحيح ودورها التعديلي القويم في إرساء السلم الاجتماعي والديمقراطية الاجتماعية وحقوق الإنسان في بعدها الكوني . وقد مقابل تلك الاختيارات العقلانية والعصرية تكسو الساحة السياسية في تونس مسحة من الخيارات غير المتجانسة ودون أفق إصلاحي متفق عليه يكون نتيجة حوار مؤسسي يرسم خارطة الغد وتحدياته الراهنة والمستقبلية.

مقالات ذات صلة

انتقل إلى الأعلى