مؤشرات الفشل السياسي وديناميكيات الصمود في تونس : تفكيك بنية القمع وتحولات المقاومة المدنية
نورس الزغبي الدوزي
ناشطة مدنية وباحثة
المقدمة : الفشل المؤسساتي وتحولات المقاومة من الدوائر القضائية إلى الفضاء العام
تُعتبر الفترة الممتدة بين مطلع عام 2025 ومنتصف عام 2026 في تونس مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد المعاصر، حيث شهدت تحولاً جذريا من حالة “الاستثناء” المؤقتة التي بدأت في 25 جويلية 2021 إلى مأسسة كاملة لنظام رئاسوي مطلق يرتكز على تفكيك الوسائط السياسية والمدنية وإعادة هندسة الفضاء العام وفق رؤية أحادية. يتسم هذا المشهد بتشابك عميق بين الانسداد السياسي والفشل المؤسساتي الذريع في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى تصاعد وتيرة القمع الممنهج الذي لم يعد يقتصر على النخب السياسية المعارضة، بل امتد ليشمل الفئات المهنية والمواطنين العاديين، عبر ترسانة قانونية زجرية تتصدرها نصوص مطاطية مثل “المرسوم 54”. في المقابل، يبرز تحول سوسيولوجي ونضالي لافت في ديناميكيات المقاومة المدنية.
فبعد إنهاك المسارات القضائية وتحويل المحاكم إلى أدوات للسلطة التنفيذية، انتقلت بؤر الفعل الاحتجاجي منذ تاريخ 22 نوفمبر 2025 إلى الشارع والفضاء الرقمي، حيث تشكلت أنماط جديدة من “التضامن السائل” و”الإسناد الميداني” الذي تقوده عائلات المعتقلين والنشطاء المستقلين، خاصة في ظل تراجع الأدوار التقليدية للأجسام الوسيطة مثل النقابات والأحزاب.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عام 2025 كان عام “الضغط الأقصى” على المجال العام، حيث تزامنت فيه الأحكام القضائية القاسية ضد السياسيين مع تراجع حاد في مؤشرات الحقوق والحريات. حيث يمكن الحديث عن “معاناة” القوى المدنية التقليدية من “الإنهاك” بسبب الملاحقات المستمرة وفقدان الأدوات السياسية التقليدية، و برزت أنماط جديدة من المقاومة تعتمد على “أفعال التضامن والإسناد” بدلا من الفعل السياسي المنظم وان اعادة تعريف “الفعل السياسي” يعكس أيضا تغيرا في سقف المطالب الجماهيرية، التي باتت تركز على “البقاء” وحماية الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
أولا: بنية النظام السياسي وإعادة هندسة الفشل المؤسساتي
لقد استكملت السلطة في تونس بحلول عام 2025 بناء هيكلها المؤسساتي الجديد الذي أرساه دستور 2022، وهو هيكل يقوم في جوهره على تقويض مبدأ الفصل بين السلطات وتركيز الصلاحيات في يد رئاسة الجمهورية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في النصوص القانونية، بل كان “هندسة عكسية” للمكاسب الديمقراطية التي تلت عام 2011، حيث تم تحويل البرلمان إلى غرفة تقنية تفتقر للصلاحيات الرقابية الفعلية، وأصبحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مجرد أداة إدارية تنفذ رؤية السلطة، مما أدى إلى انتخابات وصفتها التقارير الدولية بالفاقدة للمعايير الدنيا للحرية والنزاهة.
ومنذ اتباع السلطة في تونس استراتيجية تدريجية وممنهجة لتفكيك البنية التحتية للحياة السياسية بداية من عام 2021 حيث لم يكن الهدف مجرد إزاحة الخصوم، بل تقويض “فكرة” الوساطة السياسية بين الحاكم والمحكوم. و يمكن التماس خطوات هذه العملية بحل البرلمان وإقالة الحكومة، ثم انتقلت إلى ضرب الحصانات القانونية، وصولاً إلى إعادة هندسة الهيئات الدستورية و منها إعادة هندسة المشهد المؤسساتي والقانوني.
تمثلت الخطوة الأبرز في حل المجلس الأعلى للقضاء في فيفري 2022، وهو ما مهد الطريق لتحويل القضاء من ضمانة للحقوق إلى أداة للملاحقة. تلا ذلك إصدار دستور 2022 الذي نقل تونس من نظام شبه رئاسي تعددي إلى نظام رئاسوي مطلق يركز جميع السلطات في يد رئيس الجمهورية، مع تقليص دور البرلمان إلى حد التهميش. إن هذا التحول المؤسساتي خلق “فراغاً مدوياً” في مستوى التصورات السياسية، حيث غابت النقاشات البرلمانية الجدية حول الميزانية أو السياسات العامة، وحلت محلها خطابات “التطهير” و”المؤامرة”. كل هذا الانسداد المؤسساتي دفع المعارضة، ممثلة في “جبهة الخلاص الوطني” و”الخماسي” و تشكيلات أخرى، إلى حالة من الشلل الميداني، خاصة مع إيداع معظم قيادات الصف الأول السجن بتهم ثقيلة.
● تفكيك الأجسام الوسيطة وتجريف المجال العام
تعتمد استراتيجية السلطة على “تذرير” المجتمع السياسي والمدني عبر ضرب الأجسام الوسيطة التي كانت تشكل صمام أمان بين الدولة والمواطن. وقد تجلى ذلك في خطاب “التطهير” المستمر لمؤسسات الدولة من “العناصر المندسة” و”الخونة”، وهو خطاب نجح في البداية في كسب تعاطف شرائح محبطة من “عشرية الانتقال”، لكنه تحول بمرور الوقت إلى غطاء للفشل التنموي.
و لم يسلم المجتمع المدني من هذه الاستراتيجية، حيث واجهت الجمعيات خطابا تصعيديا يتهمها بـ “العمالة للخارج” و”تلقي تمويلات مشبوهة”. وفي 15 في ديسمبر 2025، تزايدت المخاوف من “خنق” ما تبقى من جمعيات حقوقية عبر تشريعات جديدة تهدف إلى تقييد العمل الجمعياتي. أما الاتحاد العام التونسي للشغل، فقد وجد نفسه في موقع “حذر” و”دفاعي”، حيث دخل في مواجهات غير مباشرة مع السلطة محاولا الحفاظ على دوره كقوة توازن، لكن ضغوط السلطة وسوء ادارة الصراع الداخلي والخارجي صدعت هياكله وأضعفت قدرته على المناورة التقليدية.
الجدول 1: تحول هيكل السلطة والمؤشرات المؤسساتية (2021 – 2026)
| المؤشر المؤسساتي | وضعية ما قبل 2021 | ملامح المشهد (2025 – 2026) | الآثار الناتجة |
| طبيعة النظام | شبه برلماني تعددي | رئاسوي مطلق (تركيز السلطات) | غياب الرقابة المتبادلة بين السلطات |
| القضاء | سلطة مستقلة (مجلس أعلى منتخب) | “وظيفة” تابعة للسلطة التنفيذية | استخدام القضاء كأداة للملاحقة السياسية |
| الهيئات الدستورية | هيئات مستقلة ورقابية | هيئات معينة وموظفة إداريا | فقدان الثقة في نزاهة العمليات الانتخابية |
| البرلمان | مركز القرار التشريعي والرقابي | مؤسسة استشارية محدودة الصلاحيات | تهميش النقاش العام حول السياسات المالية |
| المجتمع المدني | شريك في الانتقال الديمقراطي | هدف للملاحقة والتشهير والحل | تقلص المساحة المدنية والرقابة الحقوقية |
ثانيا: أدوات القمع القانوني وتحويل القضاء إلى “جهاز تنفيذي”
يمثل القضاء التونسي في عامي 2025 و2026 الواجهة الأكثر وضوحا للفشل المؤسساتي؛ حيث نجحت السلطة في تدجين المرفق القضائي وتحويله من ضامن للحقوق إلى “آلة زجرية” تنفذ الأجندات السياسية للرئاسة . وقد بدأت هذه العملية بحل المجلس الأعلى للقضاء وتعيين مجلس مؤقت، وتوجت في عام 2025 بفرض سيطرة كاملة على التعيينات في الدوائر الحساسة مثل قطب مكافحة الإرهاب و الدوائر الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس.
يمثل وضع القضاء على مدى السنوات منذ الثورة الى ما بعد الانقلاب أحد أهم مؤشرات “الفشل السياسي” في بناء دولة القانون. فقد نجحت سلطة الانقلاب في تحويل المرفق القضائي إلى جهاز إداري ينفذ السياسات الجنائية للرئاسة بدلا من أن يكون حكما بين السلطات وضامنا للحقوق. فمن آليات السيطرة و التطهير التي اعتمدها النظام هي تهديد القضاة في مساراتهم المهنية بمجرد اتخاذ قرارات لا ترضي السلطة التنفيذية. حيث أن عزل 57 قاضيا في جوان 2022 بتهم مطاطية – مثل التستر على الإرهاب دون أدلة قضائية – خلق “صدمة ترهيب” داخل الجسم القضائي.
وفي عام 2025، تعمقت هذه السيطرة عبر التدخل المباشر في تسميات وكلاء الجمهورية وقضاة التحقيق في الدوائر الحساسة، مما جعل ملفات مثل “التآمر” تسير وفق جدول زمني سياسي لا قانوني. و أدى اخضاع القضاء الى فقدان المواطن للثقة في العدالة، حيث أصبحت المحاكم تُرى كأماكن لـ “تصفية الحسابات” وليس لـ “إحقاق الحقوق”. إن تزايد المحاكمات العسكرية للمدنيين واستخدام “الفصل 24” من المرسوم 54 بكثافة يعكس انهيار الضمانات الدستورية التي ناضل من أجلها التونسيون لعقود. ولعل من اهم تجليات هذه المفارقة اقرار محكمة التعقيب للحكم الاستئنافي الصادر في قضية قتل عمر العبيدي، والقاضي بسجن 12 أمنيًا لمدة سنة واحدة فقط مع تأجيل التنفيذ، لتغلق بذلك القضية نهائيًا من الناحية القضائية بينما تحاكم سنية الدهماني بسنتين سجن نافذة على تصريحات اعلامية.
● “المرسوم 54”: سلاح الإبادة الرقمية للأصوات الحرة
يُعد المرسوم عدد 54 المؤرخ في 13 سبتمبر 2022 الأداة الأبرز في منظومة القمع الرقمي وحجر الزاوية في المنظومة الزجرية الجديدة. فبالرغم من ادعاء حماية الفضاء السيبراني والعنوان الرسمي للمرسوم الذي يشير إلى مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات ، إلا أن استخدامه الفعلي ركز على الفصل 24 الذي يفرض عقوبات سجنية تصل إلى خمس سنوات وغرامات مالية باهظة بتهم فضفاضة مثل “نشر أخبار زائفة” أو “الإضرار بالأمن العام” في عام 2025 ، مما يسمح للسلطات بتأويل أي نقد للسياسات العامة أو كشف لملفات فساد على أنه “تعريض للأمن العام للخطر” . و تم استخدام هذه الاستراتيجيا لإسكات النقد السياسي وتجريم حرية التعبير. و على هذا الاساس تحول المرسوم 54 إلى أداة لـ “الرقابة الذاتية الشاملة”، حيث بات المواطن التونسي يتردد آلاف المرات قبل كتابة تدوينة تنتقد غلاء المعيشة أو نقص الأدوية، خشية أن يجد نفسه خلف القضبان. هذا المناخ خلق بيئة من “البلطجة الافتراضية” حيث يتم استهداف الأقلام الحرة من قبل مؤيدي النظام، بينما تتحرك الأجهزة القضائية بسرعة قياسية بمجرد تقديم شكوى من جهة رسمية.
وتوسعت دائرة استهداف هذا المرسوم لتشمل المحامين مثل عياشي الهمامي الذي لوحق بسبب تصريحاته بصفته رئيس هيئة الدفاع عن القضاة المعفيين و ملاحقة الصحفيين مثل محمد بوغالب الذي حُكم عليه بالسجن لأشهر طويلة في جويلية 2025 بسبب تدوينة انتقد فيها أداء إداريا وكذلك المواطنين العاديين: حيث سُجلت أحكام قاسية ضد أفراد لمجرد تعبيرهم عن غضبهم من غلاء المعيشة، مما فرض على ستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ممارسة “الرقابة الذاتية الشاملة” في الفضاء الافتراضي.
● قضية “التآمر” الكبرى: تصفية التاريخ
في عام 2025، بلغت قضية “التآمر على أمن الدولة” ذروتها، حيث تم رفع الأحكام السجنية بحق قادة المعارضة المعتقلين منذ أوائل 2023. في نوفمبر 2025، رفعت محكمة الاستئناف بتونس الأحكام ضد عصام الشابي وجوهر بن مبارك وغازي الشواشي إلى 20 عاما، في إجراء وصفته المفوضية الدولية للحقوقيين بأنه “مهزلة قضائية”. حيث استندت الأدلة إلى شهادات سرية ومحادثات عامة عبر تطبيقات المراسلات حول الوضع السياسي وهو ما اعتبرته السلطة “تخطيطاً لزعزعة الاستقرار”
ترافق ذلك مع ممارسات قمعية داخل السجون، مثل حرمان المعتقلين من الرعاية الطبية الكافية، وتعرض بعضهم لاعتداءات جسدية، مما دفع جوهر بن مبارك للدخول في إضراب عن الطعام في أكتوبر 2025 احتجاجاً على “الاحتجاز التعسفي”. هذه الأحكام القاسية تهدف إلى توجيه رسالة واضحة لكل من يفكر في العمل السياسي المنظم: “الثمن هو حياتك وحريتك”.
تمثّل قضية التأمر على امن الدولة احد المنعطفات الحاسمة في مسار “تمركز الاستبداد” ، حيث انتقلت البلاد من تعددية سياسية هشة بعد المواقف المتناقضة من “لحظة 25 جويلية ” إلى ديناميكية تفكيك منهجي للفاعلين المعارضين من سلطة الانقلاب .
و في سياق صعود سلطة فردية بقيادة قيس سعيد، استندت تدريجيا إلى أدوات قانونية وأمنية لإعادة تشكيل المجال العام؛ إذ كانت المعارضة، قبل ذلك، تعاني من التشتّت والضعف في الامتداد الاجتماعي وفقدان متراكم للثقة الشعبية، غير أن هذه الهشاشة تحوّلت، في سياق ما يُعرف بـقضية التآمر على أمن الدولة، إلى مدخل لإعادة تعريف الفعل المعارض ذاته بوصفه تهديدا أمنيا. مما سمح بنقل الصراع من فضائه السياسي الطبيعي وهو المجال العام إلى الفضاء القضائي-الأمني القائم على الردع، حيث لم تعد التتبعات مجرّد إجراءات جزائية بل آلية لإنتاج أثر عام من التخويف (chilling effect).
وقد تجسّد ذلك عبر مأسسة التجريم القانوني من خلال توظيف فصول جزائية فضفاضة إلى جانب اللجوء المكثف للإيقاف التحفظي المطوّل دون محاكمة فعلية .وهو ما يعكس تحوّل القانون من أداة لحماية الحقوق إلى وسيلة للضبط السياسي .
منذ فيفري 2023، مثّلت إيقافات المعارضة في إطار قضية التآمر تأثير “الدومينو” ، بالتوازي مع استهداف البُنى الوسيطة من أحزاب وجمعيات ووسائل إعلام، مما أدى إلى تفكيك الوسائط التي تربط المعارضة بالمجتمع. كما تمّ شخصنة القمع عبر استهداف قيادات سياسية ومحامين وناشطين وتحويلهم إلى نماذج ردعية.
وفي هذا السياق، برز استهداف أعضاء وعضوات هيئة الدفاع كمؤشر نوعي على تعمّق هذا التحول، حيث لم تعد مجرد فاعل قانوني بل أصبحت مصدرا للسردية المضادة، مما عرّضها لتتبعات قضائية وحملات تشويه وتضييق على الوصول إلى الملفات، في دلالة على انتقال السلطة إلى تقويض حتى من يتولّى الدفاع عن المتهمين. في المقابل، اعتمدت المعارضة على جملة من الاستراتيجيات للدفاع عن المعتقلين، شملت المسار القانوني الذي مكّن من كشف بعض الخروقات الإجرائية والترافع الإعلامي عوض الترافع القانوني في المحاكم الذي ساعد على خلق سردية بديلة دون أن ينجح في تغيير موازين القوى في ظل محدودية استقلال القضاء. إضافة إلى التدويل عبر آليات حقوق الإنسان الذي ساهم في لفت الانتباه الدولي دون أن يترجم إلى ضغط فعلي مؤثر.
و رغم كل هذا العنف السياسي ظلت التعبئة الميدانية محدودة بفعل الخوف العام والإنهاك الجماعي رغم الوقفات الاحتجاجية المتتالية و حملات التضامن الواسعة لكنها ظلت تستجيب لخطاب سياسي لم يتمكن من تجاوز طابعه النخبوي ولم ينجح في الارتباط بالانشغالات اليومية للمواطنين.
ويُفسَّر تفوّق السلطة في هذا السياق باحتكارها لأدوات القوة المؤسسية، وتفكك المعارضة، والسياق الاقتصادي الضاغط، إلى جانب أزمة المصداقية التاريخية التي لاحقت جزءا منها، ما أدى في المحصلة إلى إعادة هندسة المجال السياسي نحو نموذج تُجرَّم فيه المعارضة ويُقيَّد فيه الفضاء المدني ويُوظَّف فيه القضاء، مقابل بقاء أشكال مقاومة محدودة تقودها أساسا هيئات الدفاع والعائلات التي تحولت بدورها الى فاعل رئيسي سياسي معارض وبعض شبكات التضامن، دون أن ترتقي بعد إلى مستوى خلق توازن قوى فعلي، مما يجعل من هذه القضية ليس مجرد ملف قضائي بل لحظة مفصلية في مسار إعادة تشكيل السلطة والمعارضة في تونس.
ورغم كل ما سبق، لم تنجح هذه الملفات القضائية في التحوّل إلى قضايا رأي عام واسعة، ويُعزى ذلك أساسًا إلى غياب بناء تحالفات اجتماعية حقيقية، إضافة إلى تأخّر بقية قوى المعارضة في استيعاب طبيعة التحوّل الحاصل، من مجرّد أزمة سياسية ظرفية إلى تشكّل نظام سلطوي متماسك مع تحديث ادوات النضال.
الجدول 2: تحليل بنود القمع في التشريعات الزجرية
| المادة القانونية | الوصف الإجرائي | الاستخدام السياسي المعاصر | العقوبة القصوى |
| الفصل 24 (مرسوم 54) | مكافحة الإشاعات والأخبار الزائفة | إسكات النقد الموجه للرئيس والحكومة | 5 سنوات سجنا + غرامة 50 ألف دينار |
| الفصل 72 (المجلة الجزائية) | تبديل هيئة الدولة | توجيه تهم “التآمر” للمعارضين السياسيين | الإعدام (نظريا) / مؤبد |
| قانون الإرهاب (2015) | جرائم إرهابية | ملاحقة المحامين والنشطاء الحقوقيين | أحكام تصل إلى 30 – 66 عاما |
| الفصل 91 (عسكري) | المس من كرامة ومعنويات الجيش | محاكمة المدنيين المنتقدين للسلطة أمام المحاكم العسكرية | 3 سنوات سجنا |
● استهداف “المواطن العادي”: القمع كفعل روتيني
أول ما يمكن إبرازُه هو التحوّل من قمع المعارضين المنظمين إلى تجريم المواطنة ذاتها. ففي حالة نصر الدين الحليمي، لا نتحدث عن ناشط حزبي أو قيادي ، بل عن فرد عادي مارس حقه في التعبير والدعوة إلى التظاهر. هذا يعكس انتقال السلطة من منطق ” احتواء المعارضة” إلى منطق الوقاية من الفعل السياسي قبل تشكّله. أي أن الدولة لم تعد تنتظر ظهور حركة احتجاجية، بل تستبقها عبر معاقبة مجرد الدعوة أو حتى التخيل الجماعي للاحتجاج.
كما يمكن قراءة بعض القضايا ضمن ما يمكن تسميته توسيع دائرة الخطر حيث أن استهداف عميد البياطرة أحمد رجب، أو فنان مثل راشد الطمبورة، يكشف أن السلطة لم تعد تميز بين السياسي وغير السياسي فكل خطاب عمومي- سواء كان تقنيا (الصحة العامة) أو فنيا (الغرافيتي)، أو رقميا (فيسبوك) – أصبح قابلا لإعادة التأويل كتهديد أمني. هنا، يتحول المرسوم 54 إلى أداة مرنة تسمح بإعادة تصنيف أي تعبير كجريمة.
ومن المهم أيضا إبراز دور القضاء العسكري في هذه المنظومة. محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية لا تعكس فقط خرقا لمبدأ القاضي الطبيعي، بل تؤشر إلى إرادة سياسية في تسربع الردع وتكثيفه. فالقضاء العسكري، بحكم طبيعته، أقل انفتاحا على النقاش العمومي وأكثر قابلية للتوظيف في قضايا “الأمن”. بذلك، يصبح الفضاء القضائي نفسه جزءا من استراتيجية ضبط المجال العام.
حيث أن هذه القضايا تبيّن أن القمع لم يعد يقتصر على الأفعال، بل يشمل الرموز واللغة وعملية التخيل. معاقبة رسومات غرافيتي أو تدوينات يعكس انتقالا إلى ما يمكن تسميته ضبط المخيال الجماعي: ليس فقط ما يُقال، بل ما يمكن أن يُلهم الآخرين أو يخلق إمكانية للتعبئة وهذا يفسر استهداف أشكال التعبير الإبداعي، لأنها قادرة على تجاوز الرقابة المباشرة والوصول إلى جمهور أوسع.
أخيرا، يمكنك تأطير كل ذلك ضمن فكرة مركزية: نحن أمام سياسة تهدف إلى تفكيك العفوية الاجتماعية. أي منع تشكّل أي ديناميكية احتجاجية غير مؤطرة أو غير متوقعة. فالمواطن “غير المسيس” يصبح أخطر من المعارض التقليدي، لأنه غير قابل للاحتواء أو التفاوض. لذلك، يتم توجيه رسائل ردعية قاسية لهذه الفئة تحديدا، بهدف خلق أثر نفسي عام: الخوف من مجرد التفكير في الاحتجاج.
و يمكن استخلاص ان القمع لم يعد موجها ضد معارضة قائمة، بل ضد إمكانية ظهورها، ولم يعد يستهدف الفعل السياسي، بل شرطه الأول وهو مواطن يعتقد أن صوته قد يُسمع.
ثالثا : التطورات المناطقية وبؤر الاحتجاج
يمثل عام 2025 نقطة تحول في جغرافيا الاحتجاج بتونس، حيث انتقلت الشرارة من العاصمة إلى المناطق الداخلية والساحلية، محملة بمطالب تجمع بين الحقوق الاجتماعية والبيئية والكرامة الإنسانية.
- انتفاضة “المزونة”: حينما يسقط الجدار وتنكشف السردية
في 14 أفريل 2025، شهدت مدينة المزونة (ولاية سيدي بوزيد) حادثة مأساوية بانهيار سور معهد ثانوي، مما أسفر عن وفاة ثلاثة تلاميذ وإصابة آخرين.و هذه الواقعة لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل كانت “لحظة كاشفة” لعمق الفشل المؤسساتي وتهالك البنية التحتية التعليمية.
اندلعت احتجاجات عنيفة استمرت لأيام، شملت إغلاق الطرقات وإضرابا عاما حيث اتهم الأهالي السلطة بالانشغال بالمناحرات السياسية وإهمال أرواح الأطفال. وعمدت قوات الأمن كما تعودنا عليها على مر عقود الى استخدام الغاز المسيل للدموع بكثافة، مما أدى لحالات اختناق حتى داخل المستشفى المحلي بالمزونة، وهو ما عمق الشعور بـ “الظلم المركب”.
ثم زار الرئيس قيس سعيد المدينة في فجر 18 أفريل لتقديم الوعود، في محاولة لترميم صورته كـ “نصير للشعب”، لكن الوعود بتطوير المستشفى وتفعيل المصانع المعطلة قوبلت بفتور من قبل المحتجين الذين باتوا يطالبون بنتائج ملموسة لا خطابات. ورغم ذلك خمدت “المزونة”.
يمكن قراءة تحوّل زيارات قيس سعيد إلى مواقع الفواجع كآلية لامتصاص وإخماد التحركات الشعبية من خلال تحليلها ضمن منطق إعادة احتكار المجالين الرمزي والسياسي من قبل السلطة التنفيذية. ففي السياقات الكلاسيكية، تُنتج الفواجع (حوادث، كوارث، أزمات اجتماعية) لحظات انفتاح سياسي نسبي تسمح ببروز الغضب الاجتماعي وتحوله إلى مطالب جماعية قد تتخذ شكل احتجاجات أو مساءلة للسلطة. غير أنّ ما حدث في تونس هو إعادة تأطير هذه اللحظات عبر تدخل رئاسي مباشر وسريع، يحوّل موقع الفاجعة من فضاء قابل للتسييس والتعبئة إلى فضاء مُؤمَّن رمزيًا تحت إشراف الدولة.
تقوم هذه الزيارات أولا بوظيفة الاستحواذ الرمزي على الحدث. حيث يصبح الرئيس هو المفسّر الوحيد للفاجعة، عبر خطاب يُعيد توجيه الغضب من مطالب اجتماعية أو سياسية إلى سرديات أخلاقية أو تآمرية أو تقنية، ما يفرغ الحدث من إمكانياته التعبوية. تُنتج هذه الزيارات ما يمكن تسميته بـ “تأثير الحضور المُخمِّد”، إذ يؤدي الحضور الشخصي للرئيس، مصحوبا بتغطية إعلامية مكثفة وأجهزة أمنية، إلى تفكيك أي إمكانية لتنظيم احتجاج ميداني، سواء عبر الردع المباشر أو عبر خلق انطباع بأن “الدولة حاضرة وتتحرك”، وهو ما يُضعف مشروعية الاحتجاج.
وتُستعمل هذه الزيارات كأداة لإعادة شخصنة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حيث يتم تجاوز المؤسسات الوسيطة (أحزاب، نقابات، مجتمع مدني أو حتى مؤسسات الدولة المركزية والجهوية) وتعويضها بعلاقة مباشرة قائمة على صورة “الرئيس المنقذ” أو “الحَكَم الأخلاقي”، ما يُقوّض إمكانية التنظيم الجماعي المستقل.
تندرج كذلك هذه الممارسة ضمن استراتيجية أوسع تقوم على إدارة الأزمات بدل حلّها، حيث يتم احتواء اللحظة الاحتجاجية دون معالجة أسبابها البنيوية، مع تحويلها إلى لحظة تواصل سياسي أحادي الاتجاه.
في المحصلة، لا تُعدّ هذه الزيارات مجرد تفاعل إنساني أو بروتوكولي مع الأزمات، بل تُشكّل جزءا من تقنية حكم تهدف إلى ضبط المجال العام، عبر تفكيك ديناميكيات الغضب الجماعي ومنع تحوّلها إلى فعل سياسي منظم، وهو ما يساهم في إدامة وضع تُحتكر فيه المبادرة السياسية من قبل السلطة، ويُعاد فيه إنتاج السكون الاجتماعي حتى في أكثر اللحظات قابلية للانفجار.
- حراك قابس: التلوث البيئي كمحرك للاحتجاج المُهمَّش في ظلّ غياب الزيارة الرئاسية
في قابس، استمرت التحركات الاحتجاجية ضد المجمع الكيميائي التونسي خلال أواخر 2025 ومطلع 2026، حيث تمثل قضية التلوث نموذجا لتحوّل المطالب القطاعية إلى مطالب سياسية عامة. فقد تمحورت المطالب حول إغلاق الوحدات الملوِّثة ونقل المصنع بعيدا عن المناطق السكنية، في ظل تصاعد حالات السرطان والأمراض التنفسية، بينما شهدت الجهة مسيرة كبرى يوم 17 ديسمبر 2025 تزامنت رمزيا مع ذكرى الثورة، في محاولة لربط الحق في بيئة سليمة بالحق في الكرامة والحرية، وهو ما يعكس فشل الدولة في تحقيق توازن بين متطلبات الاقتصاد الريعي المرتبط بالفوسفاط وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين، مما جعل من “البيئة” مدخلا جديدا للمقاومة المدنية خارج الأطر الحزبية التقليدية.
ويمكن تعميق هذا التحليل بالنظر إلى حراك قابس باعتباره تعبيرا عن تحوّل في أنماط الفعل الاحتجاجي في تونس، حيث لم يعد الصراع مؤطرا فقط ضمن ثنائية السلطة/المعارضة، بل أصبح يتشكّل حول قضايا “حياتية” تتجاوز الانقسامات ، وهو ما يمنحه قابلية أوسع للتجذّر الاجتماعي.
ففي هذا السياق، تُمثّل البيئة إطارا جامعا يسمح بإعادة تسييس الفئات المهمّشة دون المرور عبر الوسائط السياسية الكلاسيكية، وهو ما يفسّر الطابع الأفقي للحراك وابتعاده النسبي عن القيادات الحزبية. ومن جهة أخرى، يكشف غياب زيارة قيس سعيد لقابس، خلافا لما يحدث في فواجع أخرى، عن انتقائية في إدارة الأزمات، حيث تميل السلطة إلى التدخل في الأحداث ذات الكلفة الرمزية العالية أو القابلة للاحتواء الإعلامي، مقابل تجنّب الملفات البنيوية المعقّدة التي تطرح تناقضا مباشرا بين السياسات الاقتصادية للدولة والحقوق الأساسية، مثل ملف الفوسفاط والتلوث.
كما يبرز هذا الحراك حدود الاستراتيجية السلطوية القائمة على “الامتصاص الرمزي” للاحتجاجات، إذ أن غياب التدخل المباشر يفتح المجال أمام تطوّر أشكال تعبئة أكثر استقلالية وأقل قابلية للاحتواء، ما قد يجعل من قابس مختبرًا لنمط جديد من المقاومة المدنية قائم على المطالب الاجتماعية-البيئية، وقادرا على إعادة تشكيل العلاقة بين المركز والأطراف. فالحراك هنا لا يطالب فقط بالحق في بيئة سليمة، بل يطرح ضمنيا سؤال العدالة المجالية وتوزيع كلفة السياسات العمومية، بما يحوّل التلوث من مسألة تقنية إلى قضية سيادية تتعلّق بمن يملك الحق في تقرير مصير المجال والموارد والحياة اليومية للسكان.
رابعا: تحولات المقاومة المدنية من الدوائر القضائية إلى الفضاء العام
أمام انسداد أروقة المحاكم وتحولها إلى منصات للنطق بأحكام جاهزة، شهدت استراتيجيات المقاومة المدنية في تونس (2025-2026) تحولا نضاليا عميقا. يمكن تلخيص هذا التحول في الانتقال من “الفعل القانوني المنظم” إلى “التضامن الشعبي السائل”.
● إنهاك القوى التقليدية وبروز “لجان المساندة”
واجهت الأحزاب السياسية والجمعيات الحقوقية الكبرى استراتيجية “استنزاف” منظمة عبر الملاحقات القضائية وتجميد الحسابات البنكية والتشهير الإعلامي. و أدى هذا الإنهاك إلى تراجع قدرة هذه الأجسام على الحشد التقليدي، مما أفسح المجال لبروز فاعلين جدد على سبيل المثال تنسيقية عائلات المعتقلين التي أصبحت هي المحرك الرئيسي للفعل الاحتجاجي في العاصمة. فبدلا من الرهان على المرافعات والتحركات الشعبية والفعل المعارض السياسي ، انتقلت العائلات إلى تنظيم وقفات دورية في “ساحة حقوق الإنسان” و”شارع الحبيب بورقيبة”، رافعة شعارات تتجاوز المطالبة بإطلاق السراح إلى نقد المنظومة السياسية برمتها. وتميز عام 2025 بحملات تضامن عفوية، مثل جمع التبرعات لعائلات السجناء السياسيين وتنظيم “قفة المعتقل” كفعل رمزي للمقاومة اليومية ضد التنكيل الممارس داخل السجون.
يمكن قراءة بروز تنسيقيات عائلات المعتقلين، ولجنة أحمد صواب، وحملة “راجعات” باعتباره تحوّلا لافتا في أشكال الفعل الاحتجاجي في تونس، حيث لم يعد الفعل السياسي حكرا على الأحزاب والجمعيات، بل أصبح ينبثق مباشرة من القاعدة الاجتماعية ومن التجربة اليومية للظلم. فقد نشأت هذه المبادرات خارج الأطر التنظيمية التقليدية، مدفوعة بروابط إنسانية مباشرة (عائلية أو تضامنية بطابع الصداقة)، وهو ما منحها خطابا بسيطا وواضحا وقريبا من الناس، بعيدا عن التعقيد النخبوي، وقادرا على التعبير عن المظلومية بشكل جماعي لا يقتصر على حالات فردية.
في المقابل، يعكس صعود هذه الأشكال تراجعا نسبيا للأحزاب والجمعيات، التي بدت إما عاجزة عن مواكبة التحولات، أو مثقلة بقيود تنظيمية وخطابية، أو الحسابات الضيقة أو متأثرة بمناخ القمع والخوف، ما حدّ من قدرتها على التعبئة والتأثير. وقد أدى هذا الفراغ إلى بروز مبادرات أكثر مرونة وسرعة في التفاعل، لكنها في الآن ذاته تظل محدودة من حيث الاستمرارية والقدرة على البناء طويل المدى، نظرا لاعتمادها على الزخم الظرفي أكثر من اعتمادها على هياكل تنظيمية مستقرة.
يعكس هذا المشهد إعادة تشكل للفعل السياسي في تونس، حيث تتقدّم أشكال احتجاجية قاعدية وغير مؤطرة على حساب التنظيمات التقليدية، في دلالة على تحوّل أعمق في العلاقة بين المجتمع والسياسة، يقوم على استعادة الأفراد والمجموعات لحقهم المباشر في التعبير والتنظيم خارج الوسائط الكلاسيكية.
● “التضامن السائل” وكسر حاجز الخوف الرقمي
رغم سطوة المرسوم 54، طوّر النشطاء والشباب في تونس خلال 2026 ما يمكن تسميته بـ”تقنيات تواصل مقاوِمة” تقوم على المواربة والمرونة بدل المواجهة المباشرة، وهو ما يعكس تكيّفا ذكيا مع بيئة رقمية مُراقَبة ومُجرِّمة للتعبير. في هذا السياق، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة لنقل المعلومة، بل تحوّل إلى ساحة تكتيكية تُستعمل فيها الرمزية كأداة لإيصال الرسائل دون الوقوع تحت طائلة التجريم، عبر التلميح بدل التصريح، واستدعاء معانٍ مشتركة يفهمها الجمهور دون أن تكون قابلة للإدانة قانونيًا. كما برزت السخرية السوداء كآلية مزدوجة ، فهي من جهة تُفرغ الخوف وتخلق نوعًا من التماسك النفسي الجماعي، ومن جهة أخرى تُمرّر نقدًا سياسيًا لاذعًا في شكل غير مباشر يصعب تأطيره كجريمة.
إلى جانب ذلك، لعبت المجموعات المغلقة وشبه المغلقة (على تطبيقات التخاطب الفوري) دورا محوريا في إعادة بناء شبكات الثقة والتنظيم، حيث يتم تداول المعلومات الحساسة وتنسيق التحركات بعيدا عن الفضاءات المفتوحة، وهو ما يعكس انتقالًا من منطق “العلنية” إلى منطق “الدوائر المحدودة”. كما تعتمد هذه الديناميكية على الانتشار السريع واللامركزي للمحتوى، حيث يتم تداول الرسائل بشكل أفقي بين الأفراد بدل الاعتماد على صفحات مركزية يمكن استهدافها، مما يجعل عملية الضبط الأمني أكثر تعقيدًا.
ويُضاف إلى ذلك توظيف الغموض المقصود في الخطاب (ambiguity)، حيث تُصاغ الرسائل بطريقة تحتمل أكثر من تأويل، بما يسمح بتداولها على نطاق واسع دون أن تُمسك عليها أدلة مباشرة، إلى جانب اعتماد الزمنية القصيرة (ephemerality) في نشر المحتوى، عبر القصص والمنشورات المؤقتة، لتقليل الأثر الرقمي القابل للتتبع. كما يظهر نوع من “التشفير الاجتماعي”، حيث تُستخدم إشارات، نكات داخلية، أو رموز ثقافية محلية لا يفهمها إلا من ينتمي لنفس الدائرة، وهو ما يعزز الإحساس بالانتماء ويصعّب على السلطة تفكيك الخطاب.
تعكس هذه التقنيات تحوّل المقاومة الرقمية من خطاب مباشر إلى ممارسة تكتيكية ذكية، تقوم على التكيّف مع القمع بدل الاصطدام به، وتُنتج شكلا من التضامن “السائل” الذي لا يمكن احتواؤه بسهولة، لأنه لا يرتكز على بنية تنظيمية صلبة بل على شبكة متحركة من الأفراد والرموز والمعاني المشتركة.
غير أنّ هذه المواربة لم تُلغِ الوضوح السياسي، بل أعادت صياغته بشكل مختلف؛ إذ حافظت هذه الأشكال على وضوح في الموقف والخصم حتى وإن التبست اللغة، فالجمهور المعني يدرك جيدًا مضمون الرسائل واتجاهها، وهو ما يخلق توازنًا بين الحماية من التتبع والمحافظة على المعنى السياسي. بهذا المعنى، لم يعد الوضوح قائمًا على المباشرة اللغوية، بل على الاشتراك في الفهم والسياق، حيث تتحول الرموز والسخرية إلى حوامل لخطاب سياسي صريح في جوهره، وإن كان مموّهًا في شكله.
تُبرز هذه الممارسات الاحتجاجية تحوّلا لافتا في أدوات التعبير السياسي، حيث لم يعد الاحتجاج قائمًا فقط على الشعارات المباشرة، بل أصبح يعتمد على إعادة توظيف الذاكرة الثورية والرمزية الجماعية بشكل عاطفي و سياسي نقدي وساخر في الآن ذاته. ففي مسيرة 10 جانفي ، مثّلت إعادة تدوير شعارات 17 ديسمبر، التي كانت في الأصل مُؤطَّرة من قبل أجهزة الدولة، نوعًا من استرجاع المعنى من السلطة وإعادة شحنه بدلالة معارضة، بما يعكس صراعًا على من يملك سردية الثورة. ولم يكن لافتًا فقط الجمع بين صور زين العابدين بن علي وقيس سعيد في نفس الفضاء الرمزي، بل أيضًا إعادة إنتاج الشعارات التي رُفعت ضد النظام السابق وتكثيفها لإسقاطها على الحاضر، في محاولة لخلق استمرارية رمزية بين مرحلتين سياسيتين مختلفتين.
كما تبرز دلالة قوية في تحويل صور 14 جانفي 2011 ، التي تُؤسّس عادة لشرعية الثورة، إلى أدوات نقد عبر وضع صورة الرئيس تحت عبارات مثل “مولى الثورة”، وهو ما يُفكّك خطاب احتكار الثورة ويعيد مساءلته. أما استبدال المشاركين لوجوههم بوجه قيس سعيد في صورهم القديمة، فيُعدّ شكلًا متقدّمًا من الاحتجاج البصري الذي يقوم على السخرية والاختزال، حيث يتم التعبير عن فكرة “الاستحواذ على الثورة” أو “التمثيل القسري” بصورة مباشرة دون الحاجة إلى خطاب مطوّل.
ويكتسب الحضور الجيلي، خاصة ما يُعرف بـ”جيل الثورة” جنبا الى جنب في مسيرة يقودها “أطفال الثورة”، أهمية خاصة، إذ يعكس انتقال الذاكرة الاحتجاجية من تجربة معيشة إلى هوية سياسية متوارثة، ما يمنح الحراك عمقا رمزيا واستمرارية زمنية. كما أن الشعارات التي بدت في ظاهرها ساخرة أو حتى متناقضة، مثل الهتاف الذي يجمع بين النقد الاجتماعي والعبارات المرتبطة بالولاء “لا فارينة لا فورماج قيس سعيد في قرطاج”، فهي تعبّر عن تفكيك الخطاب الرسمي عبر المحاكاة الساخرة، وهو ما قد يفسّر حالة الصدمة سواء لدى بعض المشاركين أو لدى عناصر الأمن، إذ يصبح من الصعب تأطير هذه التعبيرات ضمن قوالب الاحتجاج التقليدية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم العودة إلى أدوات مثل “فرقة المهرجين”، التي برزت سابقا خلال الاحتجاجات ضد حكومة يوسف الشاهد وقانون المالية، كجزء من تطوّر أشكال الاحتجاج نحو ما يمكن تسميته بـ”الأداء الاحتجاجي” (protest performance)، حيث يتم توظيف الجسد، والصورة، والسخرية كوسائط سياسية قائمة بذاتها. هذه الأدوات لا تهدف فقط إلى التعبير، بل إلى إرباك السلطة، وكسر الرتابة، وجذب الانتباه، بما يجعل الاحتجاج أقل قابلية للضبط وأكثر قدرة على الانتشار.
ان ما ذكر آنفا يؤكد مما لا شك فيه أن هذه الأشكال الجديدة تعكس انتقال “الاحتجاج “من خطاب سياسي مباشر إلى ممارسات رمزية وبصرية مركّبة، وتُعيد تشكيل العلاقة مع الذاكرة الثورية، وتُنتج لغة احتجاجية يصعب احتواؤها، لأنها تتحرك بين الجدية والسخرية، بين الوضوح والمواربة، وبين الماضي والحاضر في آن واحد.
الجدول 3 : مقارنة بين أنماط المقاومة (2021-2023) و (2025-2026)
| وجه المقارنة | المقاومة التقليدية (المرحلة الأولى) | المقاومة المعاصرة (2025 – 2026) |
| الميدان الرئيسي | الدوائر القضائية، الندوات، البيانات | الشارع، الفضاء العام، الساحات الرمزية |
| القائد المحرك | الأحزاب السياسية والقيادات التاريخية | عائلات المعتقلين، نشطاء مستقلون، شباب الجهات |
| سقف المطالب | العودة للدستور، استئناف الديمقراطية | إطلاق السراح، وقف القمع، الحق في الخبز والبيئة |
| الأداة النضالية | المرافعات القانونية، الاحتجاج المنظم | التضامن الاجتماعي، المسيرات النوعية، العصيان الموضعي |
| الجمهور المستهدف | النخبة السياسية والدبلوماسية | “المواطن اللامدا” والرأي العام الشعبي |
خامسا: الخطاب السيادي وصناعة “العدو الداخلي”
يمكن إبراز أن خطاب “السيادة الوطنية” و”المؤامرة” لا يعمل فقط على تفسير الأزمات، بل على إعادة توزيع المسؤولية السياسية. فعوض أن تُنسب الاخلالات إلى سياسات عمومية أو خيارات اقتصادية، يتم تحويلها إلى نتيجة لفعل خارجي أو خفي. بهذا المعنى، يصبح الخطاب آلية لـتعطيل المساءلة، إذ لا يمكن محاسبة “المتآمرين” لأنهم غير محددين، وغير مرئيين، ومتغيرين باستمرار. نحن هنا أمام شكل من أشكال “العدو المجرّد” الذي يسمح للنظام بتفادي أي تقييم فعلي لأدائه.
كما يرتكز الخطاب العلني الرئاسي الموجه الى عموم الشعب على ثنائية “الحق/الباطل” التي يعتمدها الرئيس قيس سعيد بما يسمح بانتاج تبسيط راديكالي للمجال السياسي. اذ لم يعد هناك اختلاف في البرامج أو تضارب في المصالح، بل اصبح صراعا أخلاقيا مطلقا. هذا التحويل من السياسي إلى الأخلاقي يسمح بإقصاء الخصوم لا باعتبارهم منافسين، بل باعتبارهم فاقدين للشرعية الأخلاقية والوجودية. وعندما تُستخدم أوصاف مثل “الخونة” أو “الحشرات”، فإننا ننتقل إلى مستوى أخطر وهو نزع الإنسانية الرمزية، وهو ما يفتح المجال لتبرير القمع باعتباره “تطهيرا” أو “تصحيحا”.
ينتج هذا الخطاب ما يمكن تسميته احتكار تمثيل الشعب. فـ”الشعب الحقيقي” كما يُقدَّم ليس كيانا تعدديا، بل وحدة متجانسة يتم الحديث باسمها. وكل من يعارض يُستبعد تلقائيا من هذا التعريف، ويُعاد تصنيفه ضمن “المتآمرين”. وبهذا المعنى، لا يكتفي الخطاب بإقصاء المعارضين، بل يعيد تعريفهم خارج الجماعة الوطنية نفسها وتؤدي هذه العملية إلى تفريغ مفهوم السيادة الشعبية من مضمونه التعددي، وتحويله إلى أداة إقصاء.
يمكن قراءة هذا الخطاب كآلية لـإدارة الأزمات عبر اللغة. في ظل تدهور الخدمات الأساسية (الماء، المواد الأساسية)، لا يتم تقديم حلول بقدر ما يتم إنتاج سردية تفسيرية تعيد توجيه الغضب. وهنا، لا يُطلب من الخطاب أن يكون مقنعا بالكامل، بل أن يكون فعالا في توجيه الانتباه من تحويل النقاش من “لماذا فشلت السياسات؟” إلى “من يتآمر علينا؟”. وهذه النقلة تضمن بقاء النظام في موقع الدفاع الرمزي بدل المساءلة الملموسة.
هذا النمط الخطابي يخلق حالة تعبئة دائمة بدون أفق. فوجود “مؤامرة” مستمرة يعني أن حالة الطوارئ تصبح هي القاعدة، وأن الشرعية تُستمد من الاستمرار في “حرب التحرير” لا من النتائج. بذلك، يتحول الحكم إلى عملية إدارة خوف جماعي، حيث يتم الحفاظ على التوتر كشرط للاستقرار السياسي.
لا يعمل هذا الخطاب فقط على حماية النظام، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع: من علاقة قائمة على الحقوق والمساءلة، إلى علاقة قائمة على الولاء والخوف والتصنيف الأخلاقي.أي لا يُستخدم خطاب السيادة والمؤامرة لتفسير الواقع فحسب، بل لإعادة إنتاجه واقع تُستبدل فيه السياسة بالصراع الأخلاقي، والمساءلة بالتخوين، والمواطنة بالاصطفاف القسري.
● مفاهيم “التطهير” و”الحسم”
في خطاباته خلال أواخر 2025، استخدم الرئيس لغة عسكرية وتعبوية بامتياز، مؤكدا أن “ساعات الفرز والحسم قريبة” وأن هناك حاجة لـ “تطهير شامل” لمؤسسات الدولة من “العناصر المندسة”. وهذا الخطاب يبرر عمليات الإقالة الجماعية في الإدارة العمومية وتعيين الموالين في مناصب حساسة، مما أدى إلى ترهل الجهاز الإداري وتراجع فاعليته.
كما يركز الخطاب على “السيادة الوطنية” كدرع لمواجهة الضغوط الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. فكل نقد خارجي يُصور كـ “تدخل سافر في الشؤون الداخلية”، وكل مطالبة داخلية بالحرية تُصور كـ “تنفيذ لأجندات خارجية”. هذا الخطاب نجح في البداية في كسب تعاطف شرائح واسعة من المحبطين من “عشرية الانتقال”، لكن مع استمرار الأزمة الاقتصادية، بدأ مفعوله في التراجع، حتى داخل معسكر الرئيس نفسه.
تشير التقارير إلى أن عام 2025 شهد بداية “تآكل” في السردية الموحدة للنظام. فقد بدأت أصوات من داخل “البيت الرئاسي” تعبر عن غضبها من غياب النتائج الاقتصادية ومن حدة القمع التي بدأت تمس أفرادا من القاعدة الانتخابية للرئيس حيث وصف بعض المقربين السابقين للنظام بأنه “فقد رشده” مما يعكس انهيار الثقة بين الرئيس ومحيطه، وهو مؤشر كلاسيكي على بداية تصدع الأنظمة الفردية قبل سقوطها العلني.
سادسا: آفاق المستقبل (أواخر 2026) وسيناريوهات الاستقرار الهش
تدخل تونس النصف الثاني من عام 2026 وهي في حالة من “التوازن القلق”؛ حيث تسيطر السلطة أمنيا ومؤسساتيا، بينما يغلي الشارع اجتماعيا. إن غياب الوسائط السياسية (الأحزاب) والمدنية (النقابات) القوية يجعل الصدام المباشر بين السلطة والجماهير العفوية هو السيناريو الأكثر احتمالا.
وهناك احتمال استمرار الوضع الحالي مع تزايد ترهل جهاز الدولة نتيجة التعيينات القائمة على الولاء لا الكفاءة. هذا السيناريو قد يؤدي إلى “فشل بنيوي” في تقديم الخدمات الأساسية (الصحة، النقل، التعليم)، مما يجعل الدولة كيانا “قمعيا صرفا” يفتقر لأي وظيفة اجتماعية، وهو ما يعمق عزلة تونس الدولية ويجعلها عرضة للانهيار المالي الشامل.
ويمكن توسيع فكرة “التوازن القلق” عبر توصيفه كـتوازن غير قابل للاستدامة. هذا التوازن قائم على مفارقة وهي احتكار شبه كامل لأدوات السيطرة من جهة، مقابل تآكل متسارع لمصادر الشرعية والقدرة على الاستجابة من جهة أخرى. بمعنى آخر، الدولة تبدو قوية في أدوات الردع، لكنها ضعيفة في وظائفها الأساسية. هذا النوع من التوازن غالبا ما يكون انتقاليا، لأنه لا ينتج استقرارا حقيقيا بل يؤجل لحظة الانفجار أو التحول.
● سيناريو “الانفجار العفوي” والتحول الميداني
في ظل انسداد أفق الحوار الوطني ورفض السلطة لأي مبادرة إنقاذ، يبرز سيناريو الانفجارات المحلية المتقطعة (على غرار نموذج المزونة وقابس) والتي قد تتلاقى في لحظة معينة لتشكل حراكا وطنيا شاملا. وما يميز هذا التحول هو أنه لن يكون بقيادة حزبية، بل سيكون مدفوعا بـ “الجوع” و”الإهانة” وتآكل كرامة العيش.
و ان سيناريو “الانفجار العفوي”، يمكن قرائته بكونه ليس بالضرورة فوضويا بالكامل، بل قد يتخذ شكل تنسيقيات محلية مرنة أو شبكات تضامن غير رسمية. فغياب القيادة الحزبية لا يعني غياب التنظيم، بل يشير إلى تحول في أشكال التنظيم: من هياكل هرمية إلى ديناميكيات أفقية وسريعة التشكل. وهو ما يجعل الحراك أكثر صعوبة في الاحتواء، لكنه في الوقت نفسه أكثر هشاشة أمام الاختراق أو التفكك. كما أن العامل الحاسم هنا ليس فقط “الجوع” أو “الحقرة” (الاهانة) ، بل اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى غضب جماعي مشروع.
● سيناريو “التآكل الهادئ” للدولة
سيناريو “التآكل الهادئ” يمكن تعزيزه عبر ربطه بما يمكن تسميته إعادة تشكيل الدولة كجهاز ريعي-أمني. أي أن الدولة قد تستمر في العمل، لكن بوظائف مختزلة: توزيع محدود للموارد على شبكات الولاء، مقابل توسيع أدوات الضبط. هذا لا يؤدي فقط إلى ضعف الخدمات، بل إلى تفكيك العلاقة التعاقدية بين الدولة والمواطن. في هذه الحالة، لا ينهار النظام فجأة، بل يتحول تدريجيا إلى كيان فاقد للشرعية الاجتماعية، يعتمد على الحد الأدنى من الأداء للبقاء.
من المهم في كل مرحلة إدخال عامل “الخارج” في الأوضاع الدولية والإقليمية المتقلبة كمتغير مؤثر في هذه السيناريوهات. فإن عزلة تونس أو دعمها المالي المشروط قد يلعب دورا حاسما في تأجيل الانهيار أو تسريعه. فالتوازن الحالي قد يُحافظ عليه مؤقتًا عبر تدخلات مالية خارجية، لكن هذه التدخلات غالبًا ما تعمّق الاختلالات الاجتماعية، مما يغذي بدوره سيناريو الانفجار.
لكن في المقابل، يبقى هذا العامل، رغم ثقله، غير قابل للتحويل إلى رهان سياسي أو خيار تُبنى عليه استراتيجيات المعارضة. فالتعويل على الخارج يطرح إشكالًا أخلاقيا وسياديا واضحا. كما أن الفاعلين الدوليين و خاصة منها قوى الشمال ليست حاملة بريئة وموضوعية أو ثابتة لقيم الديمقراطية وحقوق الانسان ، بل تتحرك أساسًا بمنطق المصالح وإدارة التوازنات، وهو ما يجعل أي استناد إليها محفوفًا بالمخاطر و شكل من أشكال النفاق السياسيويعمّق نفس الاختلالات التي يُفترض تجاوزها.
يبقى دور المؤسسات الوسيطة المتبقية (حتى لو كانت ضعيفة)، مثل بعض النقابات أو مكونات المجتمع المدني، عاملا مهما سواء كعوامل كبح أو تسريع. بل وان غيابها الكامل يفتح الباب لصدام مباشر، لكن وجودها ولو بشكل محدود قد يخلق مساحات تفاوض غير رسمية تؤجل الانفجار أو تعيد توجيهه.
الخلاصة
إن قراءة المشهد التونسي في 2025-2026 تقودنا إلى استنتاج مفاده أن تونس لم تعد تمر بـ “أزمة سياسية” عابرة، بل هي في خضم “إعادة تعريف للعقد الاجتماعي” بقوة الدولة الزجرية. حيث أن الفشل المؤسساتي ليس مجرد خلل في الأداء، بل هو نتيجة متعمدة لتفكيك الرقابة والشفافية لصالح السلطة الفردية.
أما تحول المقاومة المدنية من الدوائر القضائية إلى الفضاء العام، فهو دليل على حيوية المجتمع التونسي وقدرته على ابتكار أدوات بقاء في أحلك الظروف. إن استعادة المسار الديمقراطي في تونس تتطلب اليوم أكثر من مجرد تحالفات حزبية فوقية؛ إنها تتطلب بناء جسور بين المطالب السياسية (الحرية) والمطالب الاجتماعية (الخبز والبيئة والكرامة في المناطق الداخلية)، وحماية ما تبقى من جيوب مدنية مستقلة كخط دفاع أخير ضد الانهيار الشامل للدولة والمجتمع.فتونس في 2026 هي ساحة اختبار تاريخية لمدى صمود “المقاومة السائلة” في وجه “القمع الممنهج”، ومآل هذا الصراع هو الذي سيحدد ملامح العقد القادم في منطقة شمال أفريقيا برمتها.
ان السلطة، في سعيها لإحكام السيطرة، تخلق الشروط الموضوعية لعدم الاستقرار. فـتفكيك الرقابة، وإضعاف المؤسسات، وتجريم الوساطة، كلها أدوات تعزز الحكم الفردي على المدى القصير، لكنها في المقابل تُفقد النظام قدرته على امتصاص الأزمات.
في المحصلة، لا تعيش تونس فقط أزمة حكم، بل لحظة إعادة تركيب عميقة لعلاقتها بالسلطة والمعنى السياسي. فكلما توسعت الدولة في أدوات القمع، تقلصت قدرتها على الحكم، وكلما أُغلقت قنوات الوساطة، اقتربت لحظة الانفجار أو التفكك. وبين “الانفجار العفوي” و”التآكل الهادئ”، يظل العامل الحاسم هو قدرة المجتمع على تحويل الغضب إلى فعل جماعي منظم، أو عجزه عن ذلك، وهو ما سيحدد ليس فقط مستقبل النظام، بل شكل الدولة نفسها في السنوات القادمة.