الإخفاق الاقتصادي كخيار سياسي: مؤشّرات التّدهور الاجتماعي وانعكاساتها على الفئات المهمشة

موضوع النّدوةمن الغضب إلى التنظّم، نحو مقاومة اجتماعيّة مدنيّة مشتركة 

 

موضوع المداخلة 

الإخفاق الاقتصادي كخيار سياسي: مؤشّرات التّدهور الاجتماعي وانعكاساتها على الفئات المهمشة

سمية المعمري
المقدّمة 

 

تفصلنا بضعة أشهر فقط عن انقضاء خمس سنوات كاملة على استفراد رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالسّلطة، وهي مدّة تعادل عهدة نيابيّة كاملة، بما يجعلها كافية لإجراء تقييم موضوعي للحصيلة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، فضلا عن الحصيلة السياسيّة التي حملت ملامح الاستبداد منذ اللّحظة الأولى. وتُظهر الوقائع منذ 25 جويلية 2021 أنّ رئيس الجمهوريّة لم يحمل منذ البداية برنامجا اقتصاديّا أو تصوّرا واضح المعالم لإدارة المرحلة، إذ انصبّ تركيزه أساسا على إعادة تشكيل منظومة الحكم وترسيخ أسس السلطة الفرديّة. ولم يحضر في خطابه الاقتصادي سوى مشروعي الشركات الأهليّة والصّلح الجزائي، بوصفهما شعارات سياسيّة أكثر منهما سياسات عموميّة ذات مضمون عملي. 

أمّا بقيّة الإجراءات، ولا سيّما المتعلّقة بإدارة الدّين السّيادي، فقد جاءت في شكل ردود فعل ظرفيّة ضمن مسار بناء سرديّة حكم قائمة على مفاهيم من قبيل المؤامرة والسّيادة ومكافحة الفساد وتحقيق العدل واحترام القانون وإعادة الاعتبار للدّولة الاجتماعيّة. وقد تمكّن قيس سعيّد، خاصّة في المراحل الأولى التي أعقبت 25 جويلية، من تسويق هذه السرديّة، مستفيدا من تدجين الاعلام؛ ولاسيّما المرئي؛ ومن تكريس استقطاب ثنائي يقسّم المجال السياسي إلى “وطنيّين” و”عملاء”، أو إلى “صادقين” و”فاسدين“. 

ومن المعلوم أنّ توطيد أي منظومة حكم، مهما كانت طبيعتها، يظلّ رهين قدرتها على تحقيق مكاسب اقتصاديّة واجتماعيّة تضمن حدّا أدنى من القبول الاجتماعي والاستقرار. وفي هذا السياق، يكشف سلوك السّلطة وخطابها المتكرّر عن إدراك واضح لمسألة “الإنجاز” باعتبارها نقطة ضعف في بنيتها وعاملا مهدّدا لاستمرارها. ويتجلّى ذلك في الحرص المستمر على تبرير الحصيلة وتضخيمها، بالتّوازي مع تحميل الحكومات المتعاقبة مسؤوليّة الإخفاق، رغم أنّ رئيس الجمهوريّة هو صاحب القرار الفعلي في صياغة السّياسات العموميّة وفق الدستور الذي وضعه بنفسه. 

من هذا المنظور، تبدو الحصيلة الهزيلة مؤشّرا على توتّرات داخليّة ناجمة عن الفجوة بين ارتفاع سقف الوعود وغياب المنجز. وتكشف هذه التصدّعات داخل ما يُعرف بمنظومة 25 جويلية عن تناقضات بنيويّة، سعت السلطة إلى احتوائها عبر تكريس فصل عملي في المسؤوليّة بين رأس السّلطة التنفيذيّة والحكومة، بما أفضى إلى تموضع الرئيس خارج دائرة المساءلة مقابل إسناد تبعات الفشل إلى الحكومات التي يعيّنها. 

وقد أدّى تضافر هذه العوامل إلى اتّساع فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، أي بين الواقع المعيش والحصيلة المعلنة التي تُعرض في الخطاب الرّسمي بوصفها إنجازات اقتصاديّة واجتماعيّة. وهكذا يبدو المشهد كما لو أنّنا إزاء واقعين: واقع فعلي تعكسه مؤشّرات التّدهور، وواقع موازٍ تصنعه السّلطة عبر انتقاء بعض الأرقام وعزلها عن سياقها أو توظيفها دعائيّا لتغذية سرديّة النّجاح. غير أنّ إدارة الصورة قد تنجح سياسيّا، لكنها لا تنجح اقتصاديّا، لأنّ الاقتصاد معيش يومي لا يمكن إعادة تشكيله خطابيّا على المدى المتوسّط والطويل. فالاقتصاد التّونسي لا يبدو في وضع جيّد، مهما تعدّدت مساحيق التّجميل أو تحسّنت الأرقام ظرفيّا. ورغم الفشل الواضح والمتراكم، لا يزال الرئيس يصرّ على النّهج ذاته، ليبدو الإخفاق بمثابة نمط للحكم. 

 

  • كيف يكون الاخفاق خيارا سياسيّا؟ 

قد يبدو سؤال “هل يمكن أن يكون الإخفاق خيارا؟” غير منطقيّ للوهلة الأولى، إذ يوحي بأنّ السّلطة قد ترغب في الفشل، وهو افتراض يناقض بداهة منطق الفعل السّياسي، باعتبار أنّ الفشل يعني التّراجع ولا يمكن لأيّ سلطة أن تختاره غاية في ذاته. غير أنّ المقصود بالسّؤال ليس افتراض إرادة الفشل، بل مساءلة الكيفيّة التي قد تجعل بها بنية الاختيارات والسّياسات المعتمدة نتائج الإخفاق متوقّعة أو مقبولة ضمنيّا، لا باعتبارها هدفا مقصودا، بل بوصفها مآلا منطقيّا لمسار سياسيّ معيّن. 

عمل الرّئيس الحالي، منذ انفراده بالسّلطة، على تأطير النّقاش الاقتصادي عبر ربط الأزمة الرّاهنة حصريّا بالعشريّة السّابقة، كما لو كانت هذه الفترة وحدة زمنيّة معزولة ومنفصلة عن السّياق التّاريخي الذي سبقها أو لحقها، في مقابل تقديم المرحلة اللاّحقة بوصفها لحظة خلاص ومقدّمة الأمجاد الآتية تحت قيادته1. ولم يقتصر هذا التّأطير على البعد الزّمني، بل أضفى على الأزمة طابعا أخلاقيّا، إذ جرى تفسير التّدهور الاقتصادي والاجتماعي باعتباره نتيجة مباشرة للاحتكار والتّآمر ولوبيّات الفساد خلال تلك الفترة. وضمن هذا البناء الخطابي، جرى اختزال الأزمة في كونها ظاهرة ظرفيّة وأخلاقيّة، وهو اختزال خدم صياغة سرديّة المؤامرة وساهم في إنتاج شرعيّة ثوريّة للرّئيس كان يفتقد أسسها قبل الثّورة. فبالرّغم من الحضور الكثيف لمفردة الثّورة في خطابه، إلاّ أنّه يتجاهل الأسباب البنيويّة التي أنتجتها، وبل ويلصق كلّ أزمات البلاد بالعشريّة الماضية كآليّة مركزيّة لتكريس استقطاب ثنائي قائم على تقابل أخلاقي مانوي بين الخير والشرّ. 

غير أنّ هذا النّمط في إدارة الحكم، رغم نجاعته النسبيّة على المدى القصير وربّما المتوسّط، يظل محكوما بعدّة تناقضات تمنع استدامته على المدى الطّويل، لأنه يقوم على منطق التّجريم بدل المعالجة، ويعمل في الآن نفسه على نزع الطّابع الهيكلي للأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي شكّلت أصلا شروط اندلاع الثّورة. وفي الاتّجاه ذاته، لم تسجّل مراجعة فعليّة للنموذج الاقتصادي القائم الذي واصل الاشتغال وفق الآليّات نفسها، بينما جاءت الإجراءات التي تندرج في المجالين الاقتصادي والاجتماعي في شكل استجابات ظرفيّة متباعدة، مصحوبة بتكثيف دعائي. وحتّى بالعودة إلى معظم قوانين الماليّة سنجد أنّها في مجملها إعادة تدوير لسياسات سابقة أثبتت فشلها. وبذلك يمكن القول أنّ الشّروط الموضوعيّة التي أفرزت الثّورة ما تزال قائمة، بخاصّة وأنّ التّجربة ما انفكّت تثبت عجز النّظام القائم على تحقيق مكاسب نوعيّة. 

 لقد عيّن الرّئيس منذ انفراده بالسّلطة أربع حكومات، أي بمعدّل يقارب حكومة جديدة سنويّا، ينتمي كلّ أعضاؤها تقريبا إلى الجهاز البيروقراطي. ويُعدّ التّعويل على التّكنوقراط من السّمات المميّزة للنّظام الحالي، نظرا إلى طبيعته المعادية للنّخب السّياسيّة وسعيه إلى نزع الّطابع السّياسي عن المجال العامّ، فضلا عن أنّ هذا التوجّه يمكّنه من احتكار القرار السّياسي والتنصّل من تبعاته عبر تحميل المسؤوليّة لحكومة تقنيّة. ويعكس ذلك علاقة تكامل وظيفي بين الرّئاسة والإدارة، رغم خطاب الذمّ الذي يُوجّهه إليها قيس سعيّد كلّما اقتضت الحاجة لتحويلها إلى شمّاعة لتفسير الفشل المتراكم. 

علاوة على ذلك، يُلاحظ استمرار عدم الاستقرار الحكومي بشكل لافت. وإذا كانت هذه السّمة قد ميّزت تونس منذ الثّورة، فإنّها كانت آنذاك نتيجة صراعات سياسيّة بين أجنحة متباينة المصالح خلال العشريّة الماضية. أمّا في المرحلة الرّاهنة، التي تتّسم بمركزة السّلطة والأجهزة، فإنّ هذا التقلّب الحكومي يؤكّد بما يمكن تسميته “عقدة الإنجاز” لدى الرّئيس قيس سعيّد، أي تحوّل تغيير الحكومات إلى آليّة لإدارة التّناقض بين الخطاب السّياسي الاقتصادي القائم على القطيعة مع خيارات الماضي وانعدام القدرة الفعليّة على إحداث هذه القطيعة 

ثمّة شبه إجماع راسخ، بما في ذلك لدى المختصّين على اختلاف مرجعياتهم الإيديولوجيّة، حول إفلاس النّموذج الاقتصادي الذي اعتمدته تونس منذ مطلع السّبعينيات، سواء على مستوى التصوّرات أو المؤسّسات. فبعد أكثر من نصف قرن، لم تتمكّن البلاد من الارتقاء في سلاسل القيمة ولا من تصحيح نمط التراكم المعكوس. وعلى العكس، ظلّ الاقتصاد الّتونسي يسلك منحى تراجعيّا يتجلّى في بطالة هيكليّة طويلة الأمد، واتّساع التفاوتات بين الأفراد والجهات، وتدهور البنى التحتيّة والخدمات العموميّة، وهو ما تعكسه أيضا مؤشّرات ارتفاع الفقر، وتفاقم الانقطاع المدرسي، وتكرّر اضطراب تزويد السّوق بالمواد الضّروريّة، من بينها عديد الأدوية. لقد فقدت الدّولة قدراتها الوظيفيّة في مسار تحوّلها إلى جهاز للضبط أكثر من كونها أداة للإدماج، الأمر الذي أدّى إلى نقل كلفة الأزمة الممتدّة نحو الفئات الهشّة. 

ويرتبط هذا الوضع بإفلاس الّنموذج التنموي برمّته، القائم على الرّيع والاحتكار والمركزيّة المفرطة ومنظومات الامتيازات، حيث لم تعد البنية المؤسّسية القديمة، بما تتّسم به من بيروقراطيّة مثقلة ومولّدة للفساد والمحسوبيّة، قادرة على استيعاب التحوّلات أو الاستجابة للتحدّيات الرّاهنة. لذلك تبدو الأزمات التي تعيشها تونس اليوم ذات طبيعة بنيويّة عميقة، لا ظرفيّة ولا دوريّة، بما يعكس حالة اختلال مزمن ومركّب ناتج عن تناقضات متجذّرة في بنية هذه النّموذج ومؤسّساته، في ظلّ عجز الآليّات التّقليديّة المعتمدة في إدارة الدّولة عن تحقيق نتائج تذكر، وهو ما يجعل تجاوز هذا الوضع مشروطا بإعادة نظر جذريّة في النّموذج التّنموي نفسه. 

ومن هذا المنظور، تعتبر الأزمة الاقتصاديّة أزمة تصوّرات بالأساس، وليست مجرّد أزمة تمويل أو ماليّة عموميّة كما تشخّصها مؤسّسات مثل صندوق النقد الدولي ووكالات التّصنيف، التي تربط مفهوم الأزمة بالقدرة على السّداد(استدامة الدّين)ورغم تبنّي الرّئيس قيس سعيّد خطاب القطيعة مع النّموذج القائم ومع تلك المؤسّسات، فإنّ الوقائع تشير إلى أنّ السّياسات المتّبعة تظلّ محكومة بالإطار النّظري ذاته، ولكن في سياق أكثر اختلالا، نظرا لصدورها عن منظومة حكم شعبويّة ذات نزعة استبداديّة. إذ تواصل السّلطة معالجة الوضع الاقتصادي بمنطق محاسباتي يركّز على إدارة المؤشّرات الماليّة والنقديّة؛ من عجز ودين واحتياطي عملة صعبة ومداخيل ونفقات ودعم؛ وفق معايير ترتبط أساسا بالحفاظ على التّوازنات الماليّة واستدامة الدّين، بمعزل عن انعكاسات ذلك على الاقتصاد الحقيقي. 

وفي المقابل، وبينما يركّز الخطاب الرّسمي على انتهاء الأزمة وتكريس الدّولة لاجتماعيّة، يسود شعور متنام بعدم الرّضا عن الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة، حتى داخل صفوف المساندين. وقد برز ذلك بوضوح في مداخلات نوّاب البرلمان خلال مناقشات قانون الماليّة وميزانيّة الدّولة للسّنة الجارية، على خلفيّة تصاعد الانتقادات للأداء الاقتصادي لمنظومة 25 جويلية كما يلمسونه ميدانيّا في دوائرهم. ويمكن تفسير هذا المزاج العامّ عبر قراءة المؤشّرات الماكرو-اقتصاديّة في سياقاتها الفعليّة، بعيدا عن توظيف أرقام مجتزأة لصياغة سرديّة نجاح رسميّة، في حين تشير المعطيات الأوسع إلى أنّ الإخفاق الاقتصادي يرتبط بتوظيف الاقتصاد سياسيّا لخدمة مشروع سلطوي شعبوي. 

 

  • مظاهر الاخفاق الاقتصادي: 

لقد بات واضحا فشل مشروع الشّركات الأهليّة الذي صدّره الرّئيس قيس سعيّد باعتباره محرّكا للتّنمية المحليّة وحلّا مثاليّا لمجابهة البطالة والتّفاوت الجهوي. ويبدو أنّه تعامل مع هذا المشروع بوصفه نموذجا تنمويا شاملا، رغم افتقاره إلى قاعدة نظريّة أو دراسات علميّة أو تجارب مقارنة ناجحة. وعلى الرّغم من تحويل هذا المشروع إلى خيار دولة حُشدت له امتيازات جبائيّة وماليّة وعينيّة، إلى جانب تعبئة إداريّة غير مسبوقة، فإنّ نتائجه ظلّت شبه منعدمة من حيث المساهمة في النّاتج الدّاخلي أو دفع التّنمية أو استيعاب البطالة، فكلّ ما حقّقته هذه التّجربة هو تكريس “اقتصاد البؤس عبر تثبيت أنشطة هشّة وشبه فاقدة للإنتاجيّة، خصوصا في مجالات الوساطة والخدمات الدّنيا والتّجارة، فضلا عن خلق وظائف صوريّة وإهدار المال العامّ. 

ويمتدّ هذا الفشل إلى بقيّة العناوين التي قدّمها الرّئيس ضمن خطاب محاربة الفساد باعتبارها ركيزة من ركائز شرعيّته. فآليّة الصّلح الجزائي، رغم ما أدخل عليها من تعديلات، لم تستقطب سوى أربعة عشر منخرطا، ولم تتجاوز مداخيلها، وفق آخر حصيلة معلنة، حوالي 27 مليون دينار لا غير. كما أنّ التّقرير الختامي للتدقيق في الانتدابات بالوظيفة العموميّة، المودع منذ ماي 2024، لم تترتّب عنه إلى الآن نتائج عمليّة أو إجراءات ملموسة، رغم الحملة الدّعائيّة التي رافقته تحت شعار تطهير الإدارة من آلاف حاملي الشّهادات المزوّرة. وينطبق الأمر ذاته على تقرير جرد القروض والهبات المتحصَّل عليها خلال العشريّة السّابقة، الصّادر في جوان 2023، إذ لم تعقبه محاكمات للمسؤولين السّابقين بشأن شبهات الاختلاس التي روّجت لها السّلطة. 

واللافت أنّ أيّا من هذه التّقارير لم ينشر للعموم، بما يعكس أنّ التكتّم على المعطيات يشكّل نمط حكم لهذا النّظام، ومن نافل القول أنّ غياب الشفافيّة يتنافى جوهريّا مع ادّعاء مكافحة الفساد. ويمثّل هذا الأخير ظاهرة مهيكلة ومتجذّرة في المؤسّسات والعلاقات الاقتصاديّة، تستوجب سياسات عموميّة متكاملة لا مجرّد شعارات. غير أنّ الممارسة الفعليّة توحي بعجز عن الفعل الإصلاحي مقابل توظيف أزمات البلاد في خدمة مشروع سلطوي بغطاء شعبوي ينحو نحو تبسيط الواقع المركّب واختزاله، وعلى إدارة الشّأن العام بمنطق الشّخصنة والمغامرة. 

ولتغطية إخفاقات عناوين الحكم الكبرى، ترتكز المنظومة القائمة في بناء سرديّة النجاح على تضخيم دلالات بعض المؤشّرات التي شهدت تحسّنا طفيفا، مثل معدّلات النموّ والتضخّم. غير أنّه يجدر، في التّحليل الاقتصادي، التنبّه إلى أنّ الأرقام؛ على أهميّتها المنهجيّة؛ لا تعبّر بذاتها عن الواقع إذ قد تؤدّي قراءتها المجتزأة أو توظيفها الانتقائي إلى بناء استنتاجات مضلّلة، وهو ما يعبّر عنه المثل المتداول: “الأرقام لا تكذب، لكن يمكن استخدامها للتّضليل”2 

في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الاقتصاد التّونسي يعيش حالة توظيف سياسي غير مسبوقة، تفاقمت مع تعطّل المؤسّسات الوسيطة تحت عناوين مختلفة مثل التّعويل على الذّات والعدالة الاجتماعيّة والسّيادة. غير أنّ تفكيك أهمّ مؤشّرات الاقتصاد الكلّي تكشف اتّساع الفجوة بين الخطاب والواقع، وتبرز تدهور الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة مقابل وهم الانجاز الذي تروّجه السّلطة، داخل اقتصاد تديره دولة الرقابة والتسيير وليس رؤية تنمويّة قادرة على إحداث تحوّل بنيوي فعلي. 

نسبة النموّ دون المستوى
 

سجّل الاقتصاد التّونسي سنة 2025 نموّا بنسبة 2.53% بحساب الانزلاق السنوي، وهو مستوى أدنى من الفرضيّة التي بنت عليها الحكومة ميزانيّتها والمقدّرة بـ 3.2% ويعكس هذا الفارق تكرار الفوارق الملحوظة بين التوقّعات الرسميّة والنتائج الفعليّة، وهو منحى دأبت عليه الحكومات المتعاقبة لما يوفّره تضخيم نسب النموّ المفترضة من أثر محاسباتي إيجابي على مؤشّرات التّوازنات الكبرى، إذ يساهم ارتفاع النّاتج في تحسين المداخيل الجبائيّة وخفض نسب العجز والدّين قياسا إلى الناتج الاجمالي. ويؤكّد ذلك أنّ نسبة الدّين العمومي قُدّرت في قانون الماليّة لسنة 2025 بـ 80.5 % من الناتج، قبل أن تُراجع في نهاية العام إلى نحو 84 % وفق المعطيات المحيّنة. 

وقد تحقّق هذا النموّ المحدود أساسًا بفعل محرّكات تقليديّة للاقتصاد، على غرار الفلاحة والسّياحة والاستهلاك، إلى جانب الصّناعات الميكانيكيّة والكهربائيّة (صناعة التّجميع). فقد سجّل القطاع الفلاحي مقارنة بالبقيّة ارتفاعا ملحوظا بلغ 12.3 % خلال الثّلاثي الأخير من السّنة، مدفوعا بعوامل مناخيّة ظرفيّة، فيما نما قطاع الخدمات بنسبة 1.4 % بدفع من النّشاط السّياحي، وتبقى السّياحة في تونس محدودة الأثر التّنموي لأنّها تقوم على نقل القيمة للخارج، نظرا لاعتمادها المرتفع على الواردات وعلى الموادّ المدعّمة إلى جانب تسرّب جزء من مداخيلها عبر تحويل كامل أرباح الاستثمار الأجنبي. أمّا القطاع الصّناعي فقد حقّق نموّا في حدود 3 % مدفوعا بصناعة تجميع المكوّنات المرتبطة بالطّلب الأوروبي الذي يستوعب قرابة 70 % من صادرات تونس، وهو ما يبرز هشاشة البنية الإنتاجيّة وارتهانها للظروف الخارجيّة. 

ويُظهر تفصيل مكوّنات الناتج الاجمالي أنّ النموّ تحقّق أساسا بفضل ارتفاع الطّلب الداخلي، في حين كان إسهام صافي الطّلب الخارجي سلبيّا نتيجة تفاقم العجز التّجاري إلى نحو 21.8 مليار دينار، بالتّوازي مع ارتفاع التّوريد العشوائي لواردات الموادّ الاستهلاكيّة (الموادّ الثّانويّة) بنحو 12%، ما يحيل إلى أنّ توسّع الاستهلاك هو الدّافع لنسبة النموّ المسجّلة وليس الانتاج. ورغم ذلك، تبقى نسبة النموّ المسجّلة من أدنى المعدّلات مقارنة بالدّول العربيّة المورّدة للنفط وفق تقديرات صندوق النّقد الدّولي. 

ترافق ضعف النموّ مع تواصل تفاقم حجم الدّين العامّ والذي من المقدّر أن يبلغ 145 مليار دينار سنة 2025، و156.7 مليار دينار سنة 2026، في حين أنّه كان في سنة 2021 في حدود 104.2 مليار دينار. بناء على ذلك سترتفع مديونيّة الدّولة في الفترة الممتدّة من 2021 و2026 بـ 50.4%، وهذا كفيل باسقاط وهم التّعويل على الذّات والقطع مع سياسة الدّيون غير المنتجة 

انسحاب مكثّف من سوق الشّغل 

تكشف المعطيات المتعلّقة بسوق العمل عن مفارقة واضحة مفادها أنّ نسبة النموّ المحقّقة لا تخلق تحسّن موازٍ في التّشغيل. فبين سنتي 2024 و2025، ورغم ارتفاع النموّ بـ 1.1% تراجع عدد المشتغلين من 3.784 مليون في الثّلاثي الرّابع 2024 إلى نحو 3.606 مليون في الثّلاثي الثّالث من 2025. وفي الأثناء انخفض معدّل البطالة من 16.5% إلى 15.4%، وهو تراجع لا يعكس تحسّنا فعليّا في التّشغيل بقدر ما يرتبط بتقلّص حجم السكّان النّشطين (المشتغلين والعاطلين) من 4.532 مليون إلى 4.259 مليون، وتراجع نسبة النّشاط الاقتصادي (نسبة السكّان النّشطين من السكّان الذين هم في سنّ العمل) من 49.1 % إلى 46.1 % خلال الفترة نفسهاتبيّن هذه المؤشّرات المتناقضة أنّ النموّ الذي تمّ تسجيله ليس مدفوعا بالإنتاج وأنّ التّراجع الطّفيف في البطالة هو أثر إحصائيّ يعود أساسا إلى ارتفاع نسبة عدم النّشاط وليس إلى خلق مواطن شغل جديدة. 

كما تؤكّد المؤشّرات المعروضة تدهور ديناميكيّة التّشغيل، إذ انخفض عدد العاطلين بنحو 13.5 ألف شخص مقابل تقلّص السكّان النّشطين بـ 273 ألفا وفقدان الاقتصاد حوالي 178 ألف وظيفة خلال الأشهر التّسعة الأولى من سنة 2025. ويمكن تفسير هذا الانسحاب المكثّف إلى عوامل متداخلة، أبرزها حركة الهجرة، وتأثير البطالة طويلة الأمد في إضعاف حوافز البحث عن عمل، إلى جانب توسّع استيعاب اليد العاملة داخل الاقتصاد غير المهيكل. كما يُحتمل أن يكون لتطبيق قانون تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة في القطاع الخاصّ أثر جزئي في هذا التّراجع. حيث تشير المؤشرّات الأوليّة إلى أنّه لم يحمي مراكز الشّغل بالشّكل المطلوب. 

وتتجلّى هشاشة سوق العمل كذلك في استمرار التّفاوتات البنيويّة، إذ تبلغ بطالة الشباب (15–24 سنة) نحو 40 %، وتصل لدى حاملي الشّهادات العليا إلى قرابة 25 %، بينما تسجّل بطالة النّساء حوالي 22.4 % مقابل 12 % لدى الرجال (الثّلاثي الثالث 2025). وتعكس هذه المعطيات إقصاء عمليّا للفئات الأكثر قدرة على الإنتاج والابتكار، بما يدفع جزء منها إلى الهجرة باعتبارها أفقا بديلا، وهو ما يمثّل في حدّ ذاته معضلة مجتمعيّة عميقة، في ظلّ سلطة تهمل هذه التحوّلات، بل تستفيد ضمنيّا من تشكّل ما يمكن تسميته بـ”مجتمع الخمول”، وتتعامل مع الهجرة لا كإخفاق تنمويّ، بل كفرصة للتّرفيع في تحويلات العملة الصّعبة5. 

ولا تكمن الإشكاليّة في بطء النمو فحسب، بل في ضعف مرونة التشغيل للنمو، إذ تشير التقديرات إلى أنّ كل نقطة نمو تساهم في خلق نحو 15 ألف وظيفة فقط. ويرتبط ذلك ببنية الاقتصاد التّونسي، حيث تتمتّع القطاعات المحرّكة للنموّ بقدرة تشغيليّة محدودة: فالقطاع الفلاحي؛ الذي لا يشغّل سوى نحو 14.2% من اليد العاملة؛ يرتبط أداؤه بالعوامل المناخيّة، في حين يعتمد قطاعي النّسيج وتجميع المكوّنات المرتبطين بالطّلب الخارجي على توظيف كثيف فقط في بداية الاستثمار. وفي ظلّ دخول نحو 80 ألف وافد جديد سنويّا إلى سوق العمل، يحتاج الاقتصاد إلى خلق عدد وظائف مماثلة سنويّا لاستيعاب الوافدين الجدد فقط. ضمن هذا الإطار، يتّضح أنّ الاقتصاد يعيش حالة نمو دون تشغيل (Jobless Growth)، حيث لا تتحوّل الزّيادات في الناتج إلى فرص عمل كافية. 

في ظلّ هذا الواقع المعقّد، ما انفكّت السّلطة القائمة توظّف ملفّ التّشغيل بوصفه أداة لتعظيم سرديّة الإنجاز وتعزيز شبكات الولاء السّياسي. وقد تجلّى ذلك بوضوح في التّعامل مع ملفَّي الدّكاترة ومن طالت بطالتهم؛ إذ رفض الرّئيس، عقب تركيزه لنمط الحكم الفردي، تفعيل القانون عدد 38 لسنة 2020 المتعلّق بانتداب من طالت بطالتهم في الوظيفة العموميّة، مبرّرا موقفه بأنّ القانون أقرّه البرلمان السّابق في سياق “بيع الأوهام” لا بقصد التّنفيذ. غير أنّ المشهد تغيّر لاحقا مع مصادقة البرلمان الحالي في دسيمبر المنقضي على نصّ تشريعي في الاتّجاه نفسه، قُدّم في الخطاب الرّسمي باعتباره إنجازا سياسيا، على غرار إعادة تنظيم مناظرة “الكاباس”. وتكشف هذه المفارقة بين الخطاب والممارسة على إحدى الحلقات الدالّة على أنّ أولويّة الرّئيس تنصرف إلى تدعيم الحكم الفردي التسلّطي أكثر ممّا تتّجه إلى معالجة الاختلالات البنيويّة أو الارتقاء بالأوضاع العامّة للبلاد. 

تضخّم مرتفع يلتهم القدرة الشّرائيّة 

سجّل معدّل التضخّم السّنوي في تونس سنة 2025، 5.3% مقابل 7% في 2024، وهو تراجع يعكس تباطؤ نسق ارتفاع الأسعار لا انخفاضها. ورغم المنحى العالمي التّنازلي للتضخّم نتيجة تراجع أسعار المواد الأساسيّة، تبقى النّسبة المسجّلة أكثر من المعدّل العالمي البالغ 4.4%، وبالأخذ بعين الاعتبار توسّع عجز الميزان التّجاري فإنّ الاقتصاد التّونسي لم يستفد من هذا التّراجع. كما تبقى نسبة التضخّم في تونس أعلى من نظيراتها في دول الجوار6 ومن معدّل الاتّحاد الأوروبي (2.2%) الشّريك التّجاري الأوّل لتونس، وقد كان لذلك أثر على كبح الصّادرات ودفع المستهلكين المحليّين إلى استهلاك السّلع في السّوق الموازية. 

ورغم تباطؤ التضخّم، يسود شعور عكسي تجاه الاسعار يعكس فجوة بين التضخّم المعلن والمُعاش، تعود إلى تباين كبير في حركة الأسعار بين السّلعفقد ارتفعت أسعار المواد الأساسيّة بشكل كبير على غرار الخضر (14%) والغلال (16%) ولحم الضّأن (17.3%) والملابس والأحذية (9.4%). بينما تساهم الموادّ المدعّمة والموادّ المؤطّرة في خفض المعدّل العام حسابيّا، رغم أنّها تشهد اضطرابا متواصلا في التّزويد ما يدفع المستهلكين إلى بدائل أغلى لا ينعكس أثرها كاملا في المؤشّر الرّسميوتتعمّق هذه الفجوة بسبب مواصلة اعتماد سنة 2015 كسنة أساس لمؤشّر الأسعار ولنمط الانفاق الأسري، رغم أنّ تحيينها يفترض أن يتمّ كل خمس سنوات، وتؤكّد هذه القيود المنهجيّة أنّ التضخّم الحقيقي أعلى من التضخّم الرّسمي.  

في هذا السّياق، شهدت القدرة الشّرائيّة للتّونسيين تدهورا ملحوظا، ومنذ سنة 2022 حافظ التضخّم على نسق ارتفاع يفوق تطوّر الدّخل الحقيقي للأسر. وعلى امتداد الفترة 2018–2024، قُدّرت خسارة القدرة الشرائيّة بنحو 8% وفق تطوّر الدّخل الحقيقي للفرد. غير أنّ هذا التّراجع كان أشدّ وطأة على الأسر المعتمدة أساسًا على الأجور، بالنّظر إلى أنّ معدّلات التضخّم تسارعت بوتيرة أعلى من نموّ الأجور الاسميّة. فقد تراوح معدّل التضخّم السّنوي خلال الفترة نفسها بين 5.7% و9.3%، في حين ظلّت الزيادات في الأجور في حدود 5% سنويّا. 

وأفضى هذا الفارق، المقدّر في المتوسّط بنحو نقطتين مئويّتين سنويّا على حساب الأجور ولمدّة سبع سنوات متتالية، إلى تآكل تراكمي للقدرة الشرائيّة لهذه الفئة ناهز 14 نقطة مئويّة7. ويعكس ذلك اتّساع فجوة توزيع الدّخل وتنامي شعور عامّ بالتفقير المستمرّ لدى متوسّطي ومحدودي الدّخل، في ظلّ استمرار عدم

مواءمة الأجور لنسق التضخّم، بما يمثّل أحد مظاهر اختلال السّياسة التّوزيعيّة للدّولة وأحد العوامل المكرّسة للتّفاوتات الاجتماعيّة، في الوقت الذي ما انفكّ فيه النّظام يسوّق لشعار “تكريس الدّولة الاجتماعيّة” دون أن نلمس له امتدادا في الواقع. 

 

  • من الغضب إلى التنظّم: شرط صياغة البديل  

من المؤكّد أنّ هذه الفجوة لم تنشأ عرضيّا وإنّما بشكل ممنهج ينطوي على وظيفة سياسيّة. فبالإضافة لأثرها في التّغطية على الاخفاق وخلق وهم الفعل الاقتصادي، يظهر أنّ هذه الفجوة كرّست حالة المقبوليّة للهشاشة كجزء من الواقع ترافقت مع انخفاض لسقف الانتظارات. ويعود ذلك إلى أنّ جزءا مهمّا من التّونسيّين علّقوا آمالا كبيرة على هذا الرّئيس وعلى قدرته على التّغيير الجذري استنادا إلى خطابه الشّعبوي القصووي المشحون عاطفيّا.  

وتثبت تجربة الحكم الفردي بعد نحو 5 سنوات، أنّ هذا النّظام لم ينجح سوى في استرجاع فصل الاستبداد. وقد برهن التّاريخ؛ على أقلّ تقدير في المنطقة العربيّة؛ أنّ الاستبداد لا يرتقي بالمجتمعات وأنّ مركزة الحكم لا تنتج تنمية، أو وهم مقولة المستبدّ العادل. في نفس الاتّجاه، نلاحظ تفاقم الاحساس العامّ بالتّفقير وبانكشاف عجز النّظام المتواصل على تحويل الخطاب إلى انجاز، إنّ ما يمكن أن يظهر اليوم على أنّه حالة قبول واسعة هو بالأحرى حالة فقدان عامّة للأفق، حيث يبدو جليّا أنّ القديم يحتضر في حين أنّ الجديد لم يولد بعد. 

فحالة الاستقرار السّياسي الظّاهرة هي في واقع الأمر مجرّد توازن هشّ تلفّه التّناقضات قابل للاهتزاز في أيّ لحظة. هناك فعلا حالة غضب على الإدارة الاقتصاديّة للبلاد التي وسّعت دائرة الخاسرين ليس سياسيّا فحسب بل إقتصاديّا واجتماعيّا أيضا، إذ يبدو أنّ هذا النّظام الذي يراكم الفشل يساهم بشكل غير مقصود في التقاء المتضرّرين منه وفي اضعاف الفصل الذي صنعه بين قضايا السّياسة وبقيّة المجالات الاجتماعيّة. 

ما انفكّ رئيس الجمهوريّة يعمل على احتواء الاحتجاجات الاجتماعيّة وتأطيرها سرديّا لتصبح أداة لتجديد شرعيّته من خلال تعليق حالات الغضب على العدوّ الجاهز سلفا. وتعكس مؤشّرات الواقع انتشار الوعي بأنّ هذا النّظام يشتغل بمنطق الاحتواء وليس الحلّ، وهو منطق يؤجّل الانفجار الاجتماعي لكن لا يفكّك شروطه. يجب أن نذكر هنا، أنّه سنة 2010 كانت جميع مؤشّرات الاقتصاد الجزئي والكلّي أحسن بكثير من الوضع الحالي ورغم ذلك قامت ثورة على النّظام. لأنّ الأمر لا يتعلّق بمجرّد أرقام وإنّما بخلل بنيويّ في توزيع الثّروة والسّلطة يتّسم بالمركزة والاحتكار. ويعدّ أهمّ ما ميّز العشريّة الفائتة برغم كلّ التّجاوزات والانتكاسات أنّ البلاد كانت تعيش على وقع ديناميكيّة مجتمعيّة في كافّة المجالات أو في عمليّة مراكمة مستمرّة. 

ولعلّ أخطر ما قام به النّظام الحالي هو تعطيل هذه الديناميكيّة وضرب مقوّمات الفعل الجماعي في لحظة يعيش فيها هذا الأخير حالة إنهاك شديدة. فهذا النّظام وعلى عكس الصّورة التي صنعها لنفسه، يعمل فعليّا على غلق قوس الثّورة واستعادة حقبة الاستبداد بشكل أكثر رداءة من خلال التّعبئة الشّعبويّة وطمس التّمايز وتشويه الصّراع. لذلك ما يبدو حالة استقرار هو على الأرجح حالة محافظة على الموجود ليس بسبب الرّضا ولكن بسبب فقدان الأمل في بديل أفضل 

لقد ساهم ذلك في التّطبيع مع التّدهور الاقتصادي والاجتماعي وفي ترسيخ منطق النّجاة الفرديّة بدل الفعل الجماعي ومساءلة المؤسّسات الرّسميّة، وهو ما انعكس في تصاعد الهجرة التي أصبحت طموحا مركزيّا لمعظم الشّباب وعائلاتهم، فالمنطق السّائد اليوم هو أنّ الفرد المهاجر يمثّل منقذ العائلة، وهذا يعني فكّ الارتباط الجزئي بالدّولة في مقابل التّعويل على المغتربين. سابقا أحدثت الهجرة الداخليّة المكثّفة تغيّرات عميقة على بنية المجتمع واليوم تشهد البلاد تحوّلات هيكليّة خطيرة وغير مرئيّة على بنيتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة بسبب نزيف الهجرة للخارج. فالمجتمع يعاني اليوم فقدانا لقواه المنتجة والقادرة على التّغيير، كما يمثّل تكريس “اقتصاد المغتربين” عاملا اضافيّا لضرب الانتاج لصالح اقتصاد ريع التّحويلات والاستهلاك المورّد، إضافة إلى دوره في تقليص الضّغط السّياسي على السّلطة. 

لقد أثّر كلّ ما تقدّم على القدرة الاحتجاجيّة داخل المجتمع، التي تأثّرت هي أيضا بالانعزاليّة التي تمارسها المعارضة السّياسيّة بشتّى أطيافها والتي حصرت نفسها في دوائر مغلقة وفي مطلبيّة تدور حول العفو التّشريعي العامّ. والأهم من ذلك أنّ القوى السّياسيّة المعارضة عزلت نفسها على المجتمع وتخلّت عن وظيفتها في الاقناع والاستقطاب ولا يبدو أنّها تطرح المعادلة الاجتماعية والاقتصاديّة ضمن أوليّاتها، وذلك بالرّغم من أنّ الفجوة التي خلقها الخطاب الرّسمي تفتح هامشا مهمّا للفعل وللتّعبئة.  

في المقابل نعتقد أنّ مهمّة الاقناع ليست بالمهمّة السّهلة ولكنّها مهمّة ضروريّة، تستوجب صياغة بديل بعناوين واضحة وواقعيّة ليس سياسيّا فقط بل اقتصاديّا واجتماعيّا بنفس الأهميّة، بوصفها مجالات غير مفصولة وذلك لفتح آفاق أمام التّونسيّين الذين راكموا الخيبات ولم يعد اقناعهم بالشّيء الهيّنصياغة البديل تمثّل شرطا ضروريّا للانتقال إلى الفعل المنظّم ولتوضيح التّمايز وكسر الانعزاليّة، فالتغيّرات التي تمسّ الأنظمة لا تحدث بمعزل عن المجتمع إلاّ في شكل انقلاب. 

  

مقالات ذات صلة

انتقل إلى الأعلى